المطلق ومفهومه عند الفيلسوف هيغل

المثالية المطلقة هي أفكار هيغل و فريدريش شيلينغ ، وهما فلاسفة ألمان من رواد الفلسفة المثالية من القرن 19، وجوزايا رويس، وهو فيلسوف أمريكي، وآخرون لكن في الأساس هي من بنات أفكار هيغل”.
أطلق هيغل في نهاية المطاف مفهوم أنه يمكن فهم الوجود ككل شمولي مطلق. أكد هيغل أن الوجود العاقل (العقل أو الوعي) ليكون قادرا على معرفة الوجود (العالم) في كل شيء، يجب أن يكون هناك هوية للفكر و للوجود. وإلا فإن هذا العاقل لن يستطيع الوصول إلى الكائن و لا إلى اليقين في معرفة العالم. ولملاحظة الفروقات بين الفكر والوجود، وثرائهما وتنوعهما لا يمكن التعبير عن وحدتهما بأنهما الهوية المتجردة مثل القول إن “أ=أ”. المثالية المطلقة هي محاولة لإثبات هذه الوحدة باستخدام مبادئ واساليب تأملية فلسفية جديدة الذي يتطلب مفاهيم وقواعد منطق جديدة.
وفقا لهيغل فإن أرضية الوجود المطلق هو كونه أساسا ديناميكي العملية التاريخية الضرورة التي تتكشف من تلقاء نفسه في شكل من أشكال معقدة على نحو متزايد من الوعي التي تؤدي في نهاية المطاف إلى كل هذا التنوع في العالم و في المفاهيم التي تفسر منطقيا هذا العالم. كانت المثالية المطلقة المبدأ السائد في القرن التاسع عشر في كل من إنجلترا و ألمانيا، في حين كان له تأثيرا أقل في الولايات المتحدة. ينبغي التفريق بين مباديء الشخص المثالي المطلق وبين الذاتية المثالية التي تادت بها جماعة بيركلي وبين المثالية التجاوزية لكانط، أو بين المثالية المتعالية لفيشت ا لشيلينغ في أعماله المبكرة.

الفلسفة الهيغلية

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

الفلسفة الهيجلية هي رفض لكل علو، وهي محاولة إنشاء فلسفة محكمة في حدود وجود متضمن في ذاته لا تنفصل عنه، ليس هناك عالم آخر، وليس هناك شيء في ذاته، وليس هناك علو..ومن هنا “فليس الإنسان هو الذي يقول الوجود قولاً سديداً، كثيراً، أو قليلاً، إنما الوجود هو الذي يعبر عن ذاته في الإنسان قولاً )

  • هربرت ماركوز –

يرتكب العديد من شراح فلسفة هيغل و نقادها خطأ جسيما حين يستخدمون مصطلح (المطلق) الهيجلي كمفهوم مرادف في المعنى والدلالة للمفهوم الله في فلسفته .
و لعلنا نجد في عنوان بحثنا هذا تفسيرا موجزا للتفريق بين المفهومين من حيث ان مصطلح ( المطلق) في فلسفة هيجل يمثل على نحو قاطع محاولة منطقية وفلسفية عميقة لانقاذ مفهوم الله من التصور الديني اليهودي – المسيحي له باستبدال هذا المفهوم بتصور خاص وجديد هو ( المطلق ).
حيث كان هيجل (لا يتوانى في كل موضع من مؤلفاته عن إقامة التفرقة الواضحة بين روحه المطلق و إله مذهب الالوهية الديني … و مما يدعو للسخرية حقا أن معظم اتباعه نسوا هذا التمييز الاساسي بين الله والمطلق الهيجلي … فليس الله أكثر من نسخة دينية غير متكافئة مع المطلق ) كما يقول كولينز في كتابه الله في الفلسفة الغربية – ص 282- 329.
ومن أجل أن نوضح معنى مفهوم المطلق في فلسفة هيجل، لابد لنا من الاطلاع عن كثب على التفاصيل التالية .

تاريخ المصطلح:

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

في معجم مصطلحات هيجل، نقرأ: إن الكلمة الألمانية الدالة على المطلق تكون صفة وظرفا في آن معا، وتستخدم تقريبا بالطريقة نفسها التي تستخدم بها كلمة “مطلق ” الانجليزية- وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية التي تعني: طليق، منفصل، كامل.
وهو بذلك يعني : لايعتمد على، وليس مشروطا بـ، ولا هو بالنسبة إلى، أو مقيدا بأي شيء آخر، فهو ما يشمل ذاته، الكامل والمكتمل.
أما عن تاريخ هذا المصطلح وأول استخدام له، فيخبرنا المعجم نفسه، أن نيقولا دي كوزا، وهو لاهوتي ألماني عاش بين (1401- 1464) هو أول من استخدم هذا المصطلح كـ(إسم) في كتابه (الجهل الحكيم) عام 1440، للاشارة به إلى “الله” بوصفه الموجود غير المشروط بشيء، ولا المحدود بشيء ولايمكن مقارنته بشيء آخر.
ثم استخدم الفلاسفة الألمان بعد كانط بانتظام مصطلح المطلق للاشارة إلى الحقيقة النهائية غير المشروطة وقد يكون لهذه الحقيقة السمات التي ترتبط عادة بالله.

خصائص المطلق الهيجلي

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

أما عن خصائص المصطلح لدى هيجل وخصوصية استخدامه، فان لها ما يميزها على نحو فريد من كل ما تم لنا بيانه في ذلك العرض، وعلى النحو الاتي :
أولاً: المطلق بوصفه تجليا (التفصيل الأول)

يقول آنوود مفصلا على نحو دقيق خصائص (مطلق) هيجل:
إن نظرية المطلق تفترض ثلاثة أنواع من الكائنات:
1- المطلق.

2- عالم الظاهر “الصخور، والأشجار، والحيوانات.. الخ”.
3- المعرفة البشرية برقم “1” و “2” والعلاقة بينهما.(

إن معاينة وتحليلا دقيقا لمكونات نظرية المطلق الهيجلي، تسفر عما يأتي:

أ- إن النظرية- عند حدّها هذا- تفترض وجود كائنات ثلاثة، هي المطلق أولا، ثم المجموع الكامل المؤلـّف للطبيعة: الصخور بدلالتها على الجماد من الأشياء، والأشجار بدلالتها على الكائنات النباتية، والحيوانات بدلالتها على الكائنات الحية التي يقع الإنسان بضمنها.
ب- لا تشير النظرية – عند هذا الحد – إلى أي نوع من العلاقة بين المطلق والطبيعة، بمفردهما، إنما تشير إلى العلاقة بينهما حسب، من خلال طرف ثالث هو المعرفة البشرية بهما، أي المعرفة البشرية بعلاقة المطلق بالطبيعة “بمكوناتها الثلاث آنفة الذكر”.
ومعنى هذا أن المعرفة البشرية، وهي العنصر الذي يكشف عن هذه العلاقة، يدخل في صميم تركيب بنية المطلق، من حيث انه هو الذي يضفي هذه العلاقة على المطلق والطبيعة، فـ ” الوجود يعقل نفسه ويقول نفسه، وهذا يعني انه هو نفسه يملك نفسه ويقول نفسه في الإنسان الذي هو ترجمانه”.

وأن “اللسان البشري هو لوغوس التجربة المعاشة، بل يمكن القول انه لوغوس الوجود وتجليه تجلياً كلياً”.

ولما كانت “المعرفة البشرية” خاصة بالإنسان وحده، من جهة، وكان الإنسان، من جهة أخرى، مُدرجاً بحسب فرضية النظرية ضمن الرقم “2” أي ضمن الطبيعة، ومستقلا ضمن الرقم “3”, فان مهمته ودوره سيتمثل هنا بعملية الربط بين المطلق والطبيعة من خلال المعرفة البشرية المرتبطة بهما على نحو جوهري.
بعبارة أخرى توضّح القصد كله من هذه الفقرة، إن هيجل يبتدئ نظريته في المطلق، بالربط بين المعرفة (الإنسانية)، والوجود، وجود المطلق، ووجود الطبيعة، بل انه يوقفُ أهمية العلاقة بين الإطراف الثلاثة كلها على هذه المعرفة نفسها.
ومن الضروري جدا، أن نشير هنا، وعلى أن تبقى هذه الإشارة نفسها حاضرة على الدوام في أذهاننا خلال مسيرتنا لفهم مطلق هيجل ,أن “الكلي أو المطلق، هو فكر، ونوع الوجود الذي يمكن أن ينسب له، هو الوجود المنطقي”.

فهو إذن وجود فكري محض، في رتبة العلة أو المقدمة المنطقية التي ستصدر عنها نتائجها، الطبيعة والروح الإنساني بوصفهما فكرا أيضا.
ثم نشير من بعد “إن الفلسفة المثالية حين تقول إن الحقيقة النهائية عبارة عن فكر، فإنها لا تعني بذلك الفكر بمعناه المألوف أي الفكر الذاتي أو العمليات النفسية كما يحدث في ذهن فرد من الأفراد… ولكننا نقصد العقل أو الروح الموضوعي الحقيقي.. والروح التي نتحدث عنها, هي نسق من الفكر الكلي الذي تتألف منه الحقيقة، فهي ليست روحا جزئيا، كروحي أو روحك، وإنما هي العقل الأول الذي صدر عنه الكون كله”.

ومعنى هذا أولا “إن العالم الذي سنتحدث عنه يعتمد على الفكر وهو نتيجة للفكر، بل هو فكر وهو فكر موضوعي لا ذاتي”.

لكن “وعلى الرغم من أن العقل الموضوعي هو الذي نبحث عنه، فان هذا العقل الموضوعي مع ذلك، متحد مع عقلنا الذاتي، فليس ثمة إلاّ عقل واحد، فينا وفي العالم”.

ومعناه من بعد, أن المطلق الذي نبحث فيه “هو روح كلي، روح مجرد، انه العقل المؤثر في العالم، وهذا القول هو جوهر النظرية اللاهوتية عن التدبير الإلهي أو حكم الله للعالم، لكن هذا العقل يؤثر في العالم، لا خارجه، انه العلة في الأشياء، أو هو علة الأشياء، ولكنه ليس علة مفارقة خارجية عن الأشياء، توجد منفصلة عنها، كما يوجد العقل البشري منفصلا عن الأشياء التي يدركها”.

نحن إذن نتحرك في وسط فكري ونبحث في علاقة بين إطراف ثلاثة، يؤلف الفكر ماهيتها جميعا، فالمطلق فكر، والطبيعة فكر موضوعي، ونحن فكر ذاتي غير منفصل عنهما ومهمته هي تعيين العلاقة بين هذه الإطراف الفكرية الثلاثة.
ولئن بدا هنا، أن ثمة توحيدا بين الفكر والوجود، فمثل هذه المسألة هي إحدى الحقائق التي سعى هيجل إلى إثباتها بكل وسائله الفلسفية، والمنطقية العاملة

، ولذا فإننا سنتعامل مع هذه الحقيقة هنا – حقيقة وحدة الفكر والوجود- بوصفها بالنسبة لنا، مسلّمة، قناعةً منا بتلك الوسائل والحجج والبراهين التي ساقها هيجل لإثبات هذه المسألة، ولأن إثبات هذه المسألة عبر تفصيلاتها الأساسية ليست هي مهمة بحثنا الأولى هاهنا.
سنقول إن ربط المعرفة البشرية بالمطلق، بوصفها معرفة المطلق بنفسه، من خلال العقل الإنساني ذاته، يعدّ إحدى الدعامات الأساسية في مذهب هيجل كله، من حيث انه يرى، – كما سنبين ذلك – إن المعرفة الحقيقية للإنسان بالمطلق، أولا، وبأشياء الطبيعة من بعد، لا يمكن أن تصدر من الإنسان نفسه، أي انطلاقا منه حسب، لان هذه المعرفة بالمطلق، هي جزء من تجلي المطلق نفسه.

  • المطلق بوصفه تجليا ( التفصيل الثاني)

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

“المطلق وحده “1”، لا يمكن أن يكون هو المطلق، ما لم يتجلَ في صورة “2” و”3″.
إن تجلي المطلق هو وحده الذي يجعل منه مطلقا، أو أن “1” هو وحده التطور إذا ظلت جميع العوامل والعناصر الأخرى بغير تعديل: فرخ الضفدع لابدّ أن يصبح ضفدعا بالفعل وذلك يستوجب منا تصنيفها على انه فرخ الضفدع”.

وكذلك المطلق “1” يعتمد على تجلياته بقدر ما تعتمد تجلياته عليه، وهكذا فان “1” وحدها، مادامت تعتمد على “2” و “3” ليست هي المطلق.. لان المطلق هو بالأحرى “1”، “2”، “3” معاً”.

تشير النقطة هذه إلى خصيصة جوهرية لمطلق هيجل، من حيث أنها تنظر إليه، بوصفه تجلياً، إلى كل من الطبيعة والمعرفة الإنسانية. إنها تضع في الحقيقة شرطا صارما لاكتسابه حقيقة كونه مطلقا، وهذا الشرط هو على وجه التحديد، قدرته على التجلي إلى كل من الطبيعة، والمعرفة البشرية، فما لم يتجل المطلق إلى هاتين اللحظتين منه، فلا يمكن أن يُعدّ مطلقاً.

أما عن نوع هذا التجلي , فان العبارة تحدده بدقة متناهية إذ تقول: يتجلى في “صورة” “2” و “3” أي في صورة الطبيعة والمعرفة، ووجه الأهمية والدقة في العبارة هو:

إن صورة المطلق هذا نفسها، هي التي تتحول إلى صورتي الطبيعة والمعرفة، الأمر الذي يعني بعبارة أخرى: ان الطبيعة والمعرفة، هما صورتا المطلق في لحظة متقدمة من حركته، أو أن المطلق، هو كل من الطبيعة والمعرفة البشرية، في لحظات متطورة من تجليه “فإذا وضع المطلق عموما نفسه في صورة الوجود الخارجي وجب أن يضع نفسه, أي يمثل، في ثنائية الصورة لان الظهور والانقسام ليسا إلا شيئا واحدا”.

بعبارة توضح القصد كله، إن هذا المطلق، ليس ساكنا أو متعالياً، معزولا عن الطبيعة والإنسان، انه متحرك باتجاههما, ولما كانا معاً في حقيقتيهما ليسا سوى صورتين له، فان المطلق هنا لا يتحرك باتجاه شيء مغاير له في الطبيعة الجوهرية، أو يتحرك باتجاه شيء خارجي بالنسبة له، إنما يتحرك في الحقيقة باتجاه نفسه، أو بعبارة هيجلية “إن الحقيقة الواقعية هي عبارة عن عقل مطلق يفضّ نفسه في العالم”.

أي في كل من الطبيعة والمعرفة البشرية، اللذين هما من نفس طبيعته، من حيث كونهما تجلياً له، وهكذا، إذا نظرنا إلى المطلق، بوصفه الأصل والكل، من جهة، ونظرنا إلى الطبيعة والإنسان، بكل ما فيهما من كثرة وتنوع- بوصفهما تجلياً له، أمكن القول كنتيجة وخلاصة لذلك، أن “الكل واحد” وليست العبارة هذه “الكل واحد” مقحمة في سياق بحثنا، من اجل غايات توافقية، إذ “إن كل شيء يجري وكأن المقولة الوحيدة الفريدة، مقولة المطلق- والمطلق يعني هنا وحدة الكل- تتنوع وتنمو هي نفسها حتى تستنفذ غناها، أنها دوما المقولة نفسها- والفكر المطلق في الوجود نفسه، الذي ينمو ويتحدد حتى اللحظة التي يستطيع فيها أن يسوّغ نقطة انطلاقه”.

وما يريده هيجل هنا هو أن “يبين أن الواقع ليس تجليَ مطلقٍ يكون متميزا عنه، بل أن التجلي لا يُظهر إلا نفسه، انه ما يظهره إلى نفسه ولنفسه”.

وهكذا يمكن لنا أن نفهم، من خلال النصين أن هذه المقولة – في أعلى تجريد لمقولات هيجل كلها – هي مقولة “الكل واحد” من حيث كونها المحرك الداخلي الذي يتحكم في صيرورة المطلق كلها.
يقول هيجل بهذا الصدد “إن اهتمام العقل البشري الوحيد، هو في أن يرفع التناقض..”.

وعملية تحقيق هذا الهدف تسمى لدى هيجل “الفلسفة النظرية”، “أي النظر إلى الكل في واحد”.

في حقيقة الأمر أن هذه الفقرة تقول شيئا آخر مفاده: إن تجلي المطلق هو وحده الذي يجعل منه مطلقا, أو انه هو وحده التطور, إذا ظلت جميع العوامل والعناصر الأخرى بغير تعديل. ووجه الأهمية في هذه العبارة، وثقل معناها مستمد من مفردة “وحدهُ” التي تعيّن المضمون كله. من حيث أنها ترهن فاعلية التجلي وتنسبها إليه وحدهُ كخصيصة جوهرية، لن يكون (مطلقا) بعطله عنها، وهذه المزية تخص طبيعته وحدها، دون شمول الإطراف الأخرى بها، بمعنى انه “وحده” هو الحقيقي، وان ما يتجلى ويصدر عنه وما يتحول هو إلى صورته “الطبيعة والإنسان” لا حقيقة لهما مستقلة عنه، ولايمكن النظر إليهما بوصفها عناصر مستقلة حقيقية قائمة بنفسها، أو تستمد حقيقتها على نحو كامل من نفسها.

فـ”الطبيعة ليست كاملة، وليست مستقلة، إنها لا توجد في، ومن اجل نفسها، أنها على العكس من ذلك، تتمثل حقيقتها في أن تصبح مجرد شيئا”

ذلك لأن “الله هو الجوهر المطلق، هو الحقيقة الواقعية الوحيدة وكل ما سواه، مما هو حقيقي، ليس حقيقيا في ذاته انه لا يمتلك وجوداً حقيقياً لنفسه، إن الحقيقة المطلقة الوحيدة هي الله، وبذلك فهو الجوهر المطلق.”

والله ” وحده هو الانسجام التام بين الفكرة الشاملة والواقع، أما جميع الأشياء المتناهية فهي تحمل جانبا باطلا غير حقيقي فهي لها فكرة شاملة ووجود فعلي، غير أن وجودها لا يفي بمتطلبات الفكرة الشاملة، وهي لهذا السبب لابد ان تفنى”.

“الحق هوالكل”.

إذن،
و”الكلي هو الوجود الماهوي والحقيقي والموضوعي للأشياء”.

و”الله ليس مدينا بوجوده لشيء آخر، ومن ثم فهو حقيقي، لكن العالم مدين بوجوده لله، الذي منحه هذا الوجود، ومن ثم فهذا العالم عبارة عن ظاهر”.

وهذه الفكرة نفسها نجدها لدى الهنود إذ أنهم “لا يعتقدون ان الله خلق العالم كله دفعة واحدة، ثم تركه لنفسه، بل يرون ان العالم ليس خلقا لله وإنما هو تجل له ومعنى ذلك ان العالم في كل لحظة من لحظات وجوده يعتمد اعتمادا تاما على الله، وبدونه لابد ان ينهار ولذلك فان من الطبيعي ان ينظر العقل الهندي إلى العالم على انه عبارة عن ظاهر أو مايا أي وهم”.

لذا “فان تجلي المطلق” هو حقيقته الخاصة به وحده، حتى وان “ظلت جميع العوامل والعناصر الأخرى بغير تعديل” لان التجلي لا يصدر عنها، ولا تسهم في فعله، كـ”تجل” بأي مقدار، ان فعل التجلي هو فاعلية المطلق، على نحو مطلق، وهو خصيصته الجوهرية التي بامتلاكه لها يصبح مطلقا تماما، مثلما “ان فرخ الضفدع لابد ان يصبح ضفدعاً بالفعل، لكي يستوجب تصنيفها على انه فرخ الضفدع”.

بعبارة “أرسطية – هيجلية” ان الطبيعة والمعرفة البشرية، عنصران موجودان “بالقوة” حسب أرسطو و”ضمنا” حسب هيجل- في رحم المطلق، وان تحققهما “بالفعل”، حسب أرسطو و”علنا” حسب هيجل- واعتمادا على فاعلية المطلق وحده بوصفها تجلياً، هو الذي يكسبهما لحظة التحقق الفعلي لهما هذه.
من المهم الإشارة هنا، إلى ان هذا التجلي الذي هو خصيصة أصيلة للمطلق، هو حركة باتجاهين متداخلين، أحداهما، انطولوجية الطابع، والأخرى ابستمولوجية، الأولى هي تجلي الأشياء كلها- والإنسان بضمنها، كموجودات، تجليا انطولوجيا. والثانية تجلي المعرفة ابتداء من اللوغوس باتجاه الإنسان، ومثل هذا التجلي هو الأكثر أهمية ومنزلة في مذهب هيجل، ولذا فانه يضع حقيقة أخرى لمطلقه غاية في الأهمية- لأن عملية الكشف عن علاقة التجلي كلها بأطرافها جميعا رهينة به وحده- حقيقة يمكن تسميتها على نحو كلي، التجلي المعرفي للمطلق،أو المعرفة البشرية بوصفها تجليا للمطلق وعنصرا جوهريا من عناصره، مهمته، الكشف عن لحظات تجلي المطلق كلها، وصولا إلى تحققه الكلي الكامل في الواقع الإنساني.
المطلق إذن، هو الأصل وهو العلة وهو الكلي وما يؤلف وحده حقيقة الأشياء التي يتجلى إليها، انه ماهيتها الحقيقية وهو الفكر الداخلي الذي يتحكم بصيرورتها وموقعها من عملية الوجود كله.

  • المطلق بوصفه تجلّيا (التفصيل الثالث)

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

بالرجوع إلى آنوود، وبغية إدراك المعنى الكامل لخصائص مطلق هيجل نقرأ في الفقرة نفسها، :”كذلك المطلق “1” يعتمد على تجلياته بقدر ما تعتمد تجلياته عليه، وهكذا فأن “1” وحدها، مادامت تعتمد على “2” و “3” ليست هي المطلق، لأن المطلق هو بالأحرى “1” و “2” و “3” معا “.
إذا كان القسم الأعظم من مضمون فقرة التجلي يولي اهتمامه وعنايته بعنصر المطلق مؤكداً على أهميته الخاصة في العلاقة مع العناصر الأخرى في النظام ذاته، فإننا نشهد في عبارة “وكذلك المطلق يعتمد على تجلياته بقدر ما تعتمد تجلياته عليه ” تحولاً معرفيا يُظهر هذه المرة أهمية العناصر الأخرى (الإنسان والطبيعة) في مقدار تحقيق المطلق لذاته، ولعلنا نجد التعبير الأمثل لهذه الأهمية متمثلا بقول هيجل ” إن الله من دون العالم ليس الله”.

وفي حقيقة الأمر ان مضمون هذه الأهمية جوهري هو الآخر، بل انه يدخل في صميم علاقة التصور الهيجلي للمطلق، وقد افرد هيجل في مؤلفاته كافة حيزاً خاصاً بهذا القدر أو ذاك لتأكيد مضمون هذه الحقيقة التي تأخذ عنده أشكالا معرفية ووجودية شتى، سواء في تفسيراته الدينية اللاهوتية لمفهوم المطلق، أو التفسير الفلسفي له على حد سواء.
فـ “هذا المطلق لا يوجد في ما وراء الموجود، ولكن بمقدار ماهو أصل له يجعل هذا الموجود ينبثق منه، وبقدر ماهو هوية أصلية يعطي أولاً لكل وجود، الوحدة التي تضم الأضداد والمطلق من حيث انه وحده يكون حاضرا في كل تغاير الموجود”.

والعقل “لا يكون كل الواقع في ذاته، إلا لأنه يصير هذا الواقع، أو بالأحرى يبرهن على انه كذلك”.

ذلك لان “الفلسفة الهيجلية هي رفض لكل علو، وهي محاولة إنشاء فلسفة محكمة في حدود وجود متضمن في ذاته لا تنفصل عنه، ليس هناك عالم آخر، وليس هناك شيء في ذاته، وليس هناك علو”.

ومن هنا “فليس الإنسان هو الذي يقول الوجود قولاً سديداً، كثيراً، أو قليلاً، إنما الوجود هو الذي يعبر عن ذاته في الإنسان قولاً”.

لذا فان “كمال هذا الكل البسيط كمالا فعليا، إنما يقوم في تلك الأشكال المختلفة والصور المنوعة التي أصبحت لحظات له”.

  • المطلق بوصفه تجليا ابستيمولوجيا (التفصيل الرابع)

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

يقول آنوود، “المطلق بالمعنى رقم “1” ليس هو المطلق أو غير المشروط ابستمولوجياً “معرفياً” فمعرفتنا به ليست مباشرة، وغير مشروطة، على نحو ما تقول به نظرة الحدس العقلي عند شلنج، وإنما هي تتضمن عملية طويلة من البحث من جانب الفرد والبشرية ككل في آن واحد، ولا يمكن للمطلق ان يظل ساكنا وبسيطا، بل لابد ان يعكس تطور معرفتنا به “3” مادامت هذه المعرفة هي “بموجب المعنى 3 فيما سبق” لا تتمايز عن المطلق – وإنما هي اعلي شكل له.

من المهم ان نقول هنا – إنصافا لهيجل- ان مجموعة الخصائص الفريدة هذه التي ينسبها إلى مطلقه، ليست وليدة انبثاق فكري مفاجئ أو تأمل عقلي معزول أدى إليها، إذ أنها في حقيقتها نتائج لصراع نقدي عميق لم يتورع هيجل في خضمّه عن توجيه اقسي عبارات التقريع والنقد لخصومه من الفلاسفة السابقين عليه، ديكارت وياكوبي وشلنج وسواهم.

فأفكار هيجل ورفضه القاطع لان تكون وسيلة التعرف على “الله” حدسية مباشرة- وهذا هو مضمون القسم الأول من فقرة أنوود – هو في حقيقته جهد نقدي مضنٍ وصراع فكري خاضه مع خصومه في هذه المسألة من أجل ان يتم النظر إلى المطلق – وهذا هو مضمون القسم الثاني من فقرة أنوود- بوصفه “عملية طويلة من البحث من جانب الفرد والبشرية في آن واحد” من حيث ان هذه المعرفة- وهذه هي النقطة الأكثر أهمية- ليست على وجه الدقة “معرفتنا” نحن إنما هي في حقيقتها العميقة، انعكاس لتطور المطلق نفسه، يتم النظر خلاله إلى هذه المعرفة، بوصفها “اعلي شكل له”.

يقول هيجل بهذا الصدد “ان الفلسفة تنظر إلى العقل بوصفه ذلك الجزء من الروح الإنساني الذي يكشف الله فيه عن نفسه، والمعرفة في صيغتها المباشرة لا تذهب ابعد من القول بأننا نعرف ان الله موجود، ولكنها لا تعرف ماهو، ما محتواه، ان المعنى الكامل لفكرة الله مجهول، ولسنا نعني بالمعرفة الفلسفية، ان الموضوع موجود حسب- إنما نعرف أيضا ماهو عليه.. ان الله لا يمثل أمامنا بوصفه موضوعا للمعرفة إنما علاقة مع الله، علاقتنا به هي الموضوع”.

ومن هنا “فإن مسار التاريخ لا يمثل بكل بساطة- عملية أو صيرورة يأتي بواسطتها الإنسان إلى وعي الله والعالم، إنما هي أيضا صيرورة يأتي عن طريقها الله إلى الوعي لإدراك نفسه”.

ولأننا نعقد أهمية بالغة في فهم احد جوانب فلسفة هيجل انطلاقا من هذه العلاقة، أجد من المفيد هنا ان نوجز الأفكار الأساسية التي يفنّد هيجل من خلالها إمكان القول بمعرفة حدسية أو مباشرة لله، وهو الرأي الذي ذهب إليه كل من ديكارت وياكوبي، حيث حدد الأخير المعرفة بأنها تعني “معرفة المتناهي وحده، فهي عملية ينتقل فيها الفكر من شرط إلى شرط في سلسلة طويلة, كل حلقة من حلقاتها شرط ومشروط في آن معا، والوصول إلى الفكرة الشاملة لشيء ما، وتفسير هذا الشيء، يعني طبقا لهذه الوجهة، ان نبين انه مشتق من شيء آخر، وبالتالي فان ما تقدمت به هذه المعرفة، أياً كان نوعه، فهو متميز جزئي متناه يعتمد على شيء آخر، أما اللامتناهي أو الحق، اعني الله، فهو يقع خارج نطاق الارتباطات الميكانيكية الآلية التي قيل ان المعرفة تنحصر بها”.

ومن هنا فقد أيّد ياكوبي بقوة، النظرية التي تقول ان الحقيقة توجد أمام الروح وحدها، كما أعلن انه بالعقل وحده يحيا الإنسان، وهذا العقل هو معرفة الله، لكن مادامت المعرفة المشتقة “أو المتوسطة” محصورة في نطاق الوقائع المتناهية فحسب، فان العقل هو معرفة غير مشتقة أو غير متوسطة: انه الإيمان.

وتعتمد هذه المعرفة المباشرة، على ان تعرّف: اللامتناهي والأزلي والله الذي نعتقد انه موجود بالفعل، أو قل أنها تؤكد انه يوجد في وعينا ارتباط مباشر لا ينفصم يربط بين هذه الفكرة، وبين اليقين بوجوده بالفعل.

أما ديكارت فقد كان المبدأ الذي أعلنه)أنا أفكر إذن أنا موجود( يمثل “حقيقة مباشرة أو واضحة بذاتها”.

فقد كانت فلسفته “تتقدم من هذه المسلمات غير المبرهنة التي تفترض انه لا يمكن البرهنة عليها”.

وهكذا يفنّد هيجل المزاعم الفلسفية لكل من ياكوبي وديكارت، عبر ملاحظات نقدية متعددة, أهمها “ان المعرفة المباشرة بالله لا تسير أبعد من القول بأن الله موجود، أما ان تقول لنا ماهو؟ فذلك فعل له أفعال الإدراك يتطلب توسطاً”.

وتبدو خطورة الركون إلى المعرفة المباشرة وسيلة للتعرف إلى الله متمثلة لدى هيجل بقوله “ان المعرفة المباشرة، تجعل الكلي مجرد تجريد خارجي للجزئيات وتجعل من الله وجوداً بغير صفة معينة، لكن الله لا يمكن ان يسمى روحا إلا إذا عُرف على انه البداية والنهاية والوسيلة في آن معاً في عملية التوسط، وبغير هذا التوحيد للعناصر فانه لن يكون عينياً، ولا حياً، ولا روحاً، ومن هنا فان معرفة الله على انه روح تتضمن بالضرورة توسطاً”.

فضلا عن ذلك وهذه هي الحجة الأكثر عمقا وإقناعا ان صورة المباشرة “تضفي على الجزئي طابع الاستقلال أو الوجود القائم بذاته – غير ان هذه الصفات أنفسها تناقض ماهية الجزئي الذي من خاصيته نفسها انه يشير إلى شيء آخر خارجه، فهذه الصفات بهذا الشكل تضفي على المتناهي طابع المطلق.

إننا حين ندرك ان المضمون – أو الجزئي لا يقوم بذاته – بل هو مشتق من شيء آخر عندئذ فقط يتضح لنا تناهيه وعدم حقيقته في ضوئها الصحيح، ومثل هذا الإدراك، الذي يتبين فيه ان المضمون يحمل معه أساس طبيعته المفتقرة إلى شيء آخر، هو معرفة تتضمن توسطا، والمضمون الوحيد الذي يقال عنه انه حقيقة، هو مضمون لا يتوسطه شيء آخر، ولا تحده أشياء أخرى، أو بعبارة أخرى انه المضمون الذي يتوسط نفسه حيث يلتقي التوسط والمباشرة على صعيد واحد”.

وهكذا يخلص هيجل إلى القول: “انه ليس صحيحاً ان هناك معرفة مباشرة- اعني معرفة بدون توسط، أما بواسطة شيء آخر، أو بواسطة الشيء نفسه”.

ولذا فان علينا ان نرفض التعارض والمقابلة بين المباشرة المستقلة في مضامين ووقائع الوعي، وبين التوسط المستقل أيضا والذي يفترض عدم اتفاقه مع المباشرة، فعدم الاتفاق هذا هو افتراض محض وزعم تعسفي، إذ ان جميع المزاعم والمسلمات الأولى ينبغي ان نخلفها وراءنا عند مدخل الفلسفة سواء أكانت مستمدة من العقل أم من الخيال، ذلك لان الفلسفة هي العلم الذي يجب ان تخضع فيه أمثال هذه القضايا للتدقيق كما يخضع معناها وأضدادها للتثبت”.( 44)
الخصيصة الثانية للمطلق الهيجلي – كما تفصلها الفقرة الثانية – ترتبط على نحو مباشر بالخصيصة التي سبق لآنوود أن ذكرها, وبجمع الفقرتين معاً، نحصل على ما يأتي:

لا يمكن لمعرفتنا بالمطلق ان تكون حدسية مباشرة لان هذا النوع من المعرفة يبقي المطلق ساكنا وبسيطا، لذا فلا بد للمطلق ان يعكس تطور معرفتنا به، مادامت هذه المعرفة، لا تتمايز منه، أولا، ومادامت هي ممثلة لأعلى شكل له.

المعرفة المباشرة تجعل من المطلق “شيئا يكمن خلف الظواهر” وتجعل منه ساكنا غير متطور، وغير قادر على التجلي لا في مستويات عليا من الطبيعة ولا في تقدم المعرفة البشرية عبر التاريخ.

ولأن المطلق بالنسبة لهيجل، أو كما يريده هو لغايةٍ بالغة الندرة والخصوصية، متحرك، ومتجل، ولان معرفتنا به هي جزء من صيرورته وتجليه، الصيرورة العقلية التي تتجلى في عقول الفلاسفة جميعا وصولا إلى فلسفة هيجل، بوصفها آخر وأكمل فلسفة تصل إليها صيرورة المطلق.

لكل ذلك، يرفض هيجل المعرفة المباشرة بالمطلق، كما يرفض سكونه، وعطله عن التجلي، لان النظر إليه بهذه المواصفات الخاصة، يحرم هيجل ويحول دون تحقيقه لغاية مذهبه كلها، وهي، ان فلسفته هو بالتحديد، هي اللحظة النهائية التي يبلغ فيها المطلق كمال تحققه الفعلي الواقعي وعيانيته وامتلاءه.

ثانياً : المطلق بوصفه تمزقاً أصيلا

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

يعيّن هيجل خلال عدد من مؤلفاته “المطلق” أو “الروح” بوصفه تمزقا جوهرياً، ولكي نفهم هذه الخصيصة يتعين علينا النظر في النصوص المعرّفة الآتية:

أ‌- “لا تكون قوة الروح عظيمة إلا بمقدار التعبير عنها، كما يعتمد أو يتوقف عمقها على جرأتها في الانتشار خارج نفسها وضياع نفسها في هذا الانتشار”.

ب‌- ان “حياة الروح ليست هي تلك الحياة التي تفزع أمام الموت وتصون نفسها من الدمار، وإنما هي بالأحرى الحياة التي تتحمل الموت وتدعم نفسها من خلاله، ولا تظفر الروح بحقيقتها إلا عندما تجد نفسها في تمزق تام- ان الروح لا تكون هذه القوة إلا من خلال مواجهتها للسلبي وتوقفها عنده.”

ج‌- “ليس المطلق وجوداً معطى مرة واحدة والى الأبد وإنما هو عملية جدلية تحقق نفسها تدريجيا، فيصير آخر غير ذاته، لكنه يظل ذاته في هذه الآخرية، لأنه التوسط بين حالته المباشرة وتحولاته الذاتية لكنه يصير ماهو عليه”.

د- ان “الطابع التركيبي في ذاته للمقولة الخالصة قد عرّفه هيجل، إذن بوصفه مساواة للذات في الآخرية… وابتداء من هذا التعريف نستطيع ان نقول ما هي النقطة القصوى في الفلسفة الهيجلية التي لم نستطع ان نرقى إلى ما بعدها، فالوجود نفسه طابعه الأساسي انه ممزق مقسم مهشم في ذاته، انه لا “يكون” إلا في كونه كمساواة للذات في التحول والتغير، انه يحمل سلبه معه، انه ليس إلا سلباً وذلك وفقا لماهية في أعمق مراتبها ولكن هذا التمزق الجوهري للوجود، وهذا الانقسام الجوهري، هما أساس الوجود بوصفه قابلية للحركة فهذا الانقسام وحده هو الذي يؤسس تكرار الموجود باعتباره أنماط متنوعة للوجود، وتلك الأنماط ليست سوى أنماط مختلفة لمساواة الذات في الآخرية، أنماط لإضفاء العينية على الاختلاف المطلق، لعملية تمثل الانقسام الماهوية وتسويته وتحقيقه، وهي لذلك على وجه الدقة أنماط لقابلية الحركة”.

هـ- “الحياة الروحية لا تتسم بأنها مجرى متصل محض من النزوع، وإنما هي تنقسم على نفسها لكي تحقق نفسها، غير ان وضع الحياة المنقسمة هذا لابد، بدوره ان يُطمس فتشق الروح بنشاطها الخاص طريقاً جديداً لكي تتوافق مرة أخرى، ومن ثم يكون الاتفاق النهائي اتفاقاً روحياً: اعني ان مبدأ العودة إنما يكون في الفكر، وفي الفكر وحده، فاليد التي أحدثت الجرح هي نفسها التي تداويه”.

على الرغم من وضوح هذه النصوص بنفسها، يمكن إيجاز أفكارها الأساسية على النحو التالي: ان الوجود أو الروح، أو المطلق، في لحظة أولى له، هو وجود بسيط مباشر، مساو لنفسه، غير ان لحظة الوجود هذه، ليست هي حقيقية، ولن يمكن لنا ابداً، ان نستخرج منه أية لحظة أخرى يتعدّى لها، ومن هنا توجب استخراج لحظة أخرى من هذه المباشرة نفسها، وسيتم لهيجل شرح هذه اللحظة بالتفصيل في كتابه علم المنطق، في أول مثلث جدلي له أي مثلث، “الوجود، والعدم والصيرورة” حيث يكون مفهوم الوجود الخالص غير المتعين ابداً، مساوياً تماماً لمعنى العدم، وهكذا يستخرج هيجل من الوحدة المباشرة للوجود نقيضها الذي هو العدم ومعنى هذا ان الوجود يتحول إلى العدم هنا، والعدم يتحول إلى الوجود، أيضا، ومن هنا تنبثق اللحظة الثالثة، التي هي الصيرورة بوصفها مركب كل من الوجود والعدم

.
وليست هذه التفاصيل بذات أهمية كبرى بالنسبة لموضوعنا الآن، لأن المهم هو القول، ان لحظة الوجود البسيط المباشر، تضم في جوفها جميع لحظات التجلي القادمة للوجود نفسه، اللحظات التي ستظهر عبر عملية جدلية تحقق نفسها تدريجياً فيصير آخر غير ذاته، لكنه يظل ذاته في هذه الآخرية.

ومن هنا ينبغي النظر لا إلى الطابع المباشر للوجود حسب، إنما ينبغي النظر إلى الطابع التركيبي الكامن في هذه المباشرة نفسها. أي ينبغي النظر إلى هذه المباشرة، بوصفها انقساما داخليا كامنا في جوهرها، من حيث ان هذا التمزق الجوهري للوجود وهذا الانقسام الجوهري، هما أساس الوجود بوصفه قابلية للحركة، فهذا الانقسام هو وحده الذي يؤسس تكثر الموجود بوصفه أنماطا متنوعة للوجود, وقدرته على إظهار نفسه نفسها في لحظات أخر، لحظات عينية متحققة بالفعل، ومن هنا، فهذا التخارج أو التجلي هو حركة، انه صيرورة.

ولأن هذه الصيرورة هي حركة مستمرة لنقل الوجود خارج ذاته، فان هذا يعني، انه تمزق مستمر للمطلق في لحظاته النسبية، تخارج للامتناهي في لحظاته المتناهية.

ومن المهم ان نذكر هنا ان هذه العملية برمتها، وفي لحظاتها جميعا هي عملية روحية، عقلية تحدث في الفكر وحده، ولذا فان صيغة تمثّل هيجل لها قد تمت في أساليب منطقية على الرغم من إتحاد هذا المنطق الهيجلي بالوجود وتعبيره عن لحظاته، من حيث انه منطق وجودي وليس منطقاً صوريا.

ولذلك يقول هيجل في آخر نص من المجموعة التي تم لنا انتخابها لهذه الغاية ان وضع الحياة المنقسم هذا لابد بدوره ان يطمس فتشق الروح بنشاطها الخاص طريقاً جديداً، لكي تتوافق مرة أخرى ومن ثم يكون الاتفاق النهائي روحيا، اعني ان مبدأ العودة إنما يكون في الفكر، وفي الفكر وحده، “فاليد التي أحدثت الجرح هي نفسها التي تداويه.”

بمعنى ان عملية النظر إلى مباشرة الوجود بوصفها انقساما إنما كانت في حقيقتها عملية فكرية في جوهرها، ولذا فان مبدأ العودة من حالة الانقسام التي ولّدها الفكر ينبغي ان يكون المبدأ نفسه، أي الفكر أيضا.

ان صياغة موجزة للأفكار الأساسية مما تقدم كله، يمكن التعبير عنها على وفق الصيغة الآتية:
ثمة وجود محض مطلق، يحمل في جوفه، جميع لحظات تجليه القادمة، الأمر الذي يعني ان الوجود منقسم في ذاته جوهريا، غير ان لحظات الوجود التي سيشقها بفاعلية الذاتية، ليست في حقيقتها سوى الوجود نفسه في هذه المرحلة أو تلك من تجليه، وهكذا، يتم النظر إلى النسق كله بوصفه، :لحظة أولى هي لحظة الهوية، تظهر اختلافها من داخلها، ثم تعود إلى الاتحاد باختلافها روحياً في وحدة نهائية تعبّر عن لحظاتها الثلاث كلها، لكن لا بوصفها وحدة فارغة بسيطة تشبه تلك التي كأنها الوجود في المرة الأولى، بل بوصفها وحدة ممتلئة، عيانية، تشمل اللحظات الثلاثة لحظة المباشرة الأولى، ولحظة تجلي أو انقسام هذه المباشرة في الطبيعة والإنسان، ولحظة استرجاع الوجود لوجوده بعد تجليه وانقسامه وتعدّيه إلى آخره.

ان ما يهم هنا ولتبقى هذه المعلومة حاضرة على الدوام في أذهاننا، هو أننا أمام (نموذج) للتصور الهيجلي لبناء مذهبه، مفاده:

وحدة بسيطة تضم في جوفها جميع لحظاتها المختلفة بالقوة، وان هذه الوحدة نفسها ستتجلى بفاعليتها الخاصة، إلى لحظات أخر، هي نفس تلك الوحدة بالفعل،لكن في لحظات متقدمة لها، وصولا إلى تحقيق غايتها النهائية، أي لحظتها الأخيرة، في مذهب هيجل.

أما وجه الأهمية في هذه المعلومة فإنما يتمثل في استخدام هيجل، هذا (الأنموذج) ذاته، لا في بناء مذهبه على غراره، على نحو مطلق حسب، بل في بناء تصوره للتاريخ وللفلسفة، ولفلسفة التاريخ والمنطق أيضا.

ثالثاً : المطلق بوصفه ذاتاً

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

ثمة خصيصة أخرى ينسبها هيجل إلى مطلقه، نستطيع ان نتبيّن أهميتها من خلال وصف هيبوليت لها، إذ يقول” وإذا أمكن الحديث أيضا عن الذاتية، فسيكون عن ذاتية هي الوجود ذاته، الأمر الذي عناه هيجل عندما قال ان فلسفته كلها تتلخص في هذه الجملة:

المطلق ذات وليس جوهر”.

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧

ويمكن لنا ان نتبين هذه الأهمية نفسها من خلال السياق الذي وردت فيه هذه العبارة بحسب النص الهيجلي , من حيث انه لم يقل في حقيقة الأمر، “ان المطلق ذات وليس جوهر” إنما قال شيئاً آخر، نصه: “في رأيي، وهو رأي لا يمكن تسويغه إلا بعرض المذهب ذاته، ان كل شيء يعتمد على إدراك “الحق” لا بوصفه جوهراً، بل أيضا بوصفه ذاتا”.

وفي بحثنا عما يمكن ان يعنيه، هيجل بقوله، ان المطلق ذات أيضا وليس جوهرا، نعثر على مجموعة النصوص هذه التي توضح لنا معنى حقيقة المطلق هذه, المضافة لكونه جوهرا.
أ‌- “لا بوصفه جوهرا كما هي الحال عند سيبنوز ولا بوصفه ذاتاً كما هي الحال عند فشتة”.

ب‌- إن “الجوهر الحي، هو الوجود، الذي هو في الحقيقة ذات، أو ان شئنا التعبير بصيغة أخرى، هو الوجود الذي لا يتحقق بالفعل إلا من حيث هو حركة تضع نفسها أو هو توسط آخر الذات مع نفسه، فالجوهر من حيث هو ذات، فهو سلب بسيط خال، ولهذا السبب نفسه فهو تشعب البسيط إلى شعبتين: انه المزدوج الذي يضع ضده، ثم يعود من جديد إلى سلب هذا التنوع المحايد ونقيضه، أي البساطة المباشرة- هذا التماثل أو التشابه التام الذي يستعيد نفسه أو هذا الانعكاس على الذات في الآخرية- هو “الحق”، لا الوحدة المباشرة بما هي كذلك، فالحق هو عمليه صيرورة الذاتية، الدائرة التي تفترض مقدماً ان مفاهيمها هي هدفها وغايتها، والتي لا تتحقق فعلياً، مادامت نهايتها هي أيضا بدايتها، إلا من خلال انجاز مهمتها”.

ومعنى هذا النص بشرح هيبوليت الذي ينقله لنا مترجم الكتاب، “ليس المطلق وجودا معطى مرة واحدة والى الأبد، وإنما هو عملية جدلية تحقق نفسها تدريجيا”.

ج- “أما القول بأن الحق لا يتحقق فعلا إلا من خلال النسق أو المذهب، أو ان الجوهر هو بطبيعته ذات، فهو ما يعبّر عنه تمثل المطلق بوصفه روحاً… فالروحي هو وحده المتحقق فعلاً، فهو الماهية، وهو ذلك الذي يربط نفسه بنفسه ويكون متعينا، انه ما يكون وجودا من أجل الآخر، ووجوداً من اجل ذاته في هذا التعيين، أو ما يبقى في ذاته إثناء تخارجه الذاتي، أو هو بعبارة أخرى ما يكون في ذاته ولذاته في آن معاً”

.
د- “ان الروح باختصار- ليست مباشرة، أشياء الطبيعة، هي المباشرة وستبقى هكذا في شرط الوجود المباشر، أما وجود الروح، فليس له هذه المباشرة، إنما يوجد فقط، كإنتاج لنفسه، كصانع لنفسه من اجل نفسه عن طريق السلب بوصفه ذاتاً، وإلا فانه سيصبح جوهراً فقط”.

هـ- “ان الروح ليست من ناحية أخرى، جوهراً حسب، إنما هي أيضا تحدد ذاتي، بوصفها ذات”.

و”ان الله هو الوجود المطلق، الواحد المكتفي بذاته، وفي الجوهر، لا نجد تمايزاً، ولا عنصر اختلاف”.

و- “ان لوغوس الوجود هذا، هو الوجود ذاته، بوصفه عقل ذاته، وهذا العلم المطلق، هذا المنطق الانطولوجي، يكتمل بتسويغ للفينولوجيا، فهو يبين في الواقع، ان المطلق ذات، وبالتالي يعقل ذاته، وان هذه الدلالة في اسمي صورها, هي ظاهرها الشعور البشري ذاته”.

ز- ان” المذهب وهذا ما يجب تكراره- يظل كلمة ميتة “وحبراً على ورق” إذا لم يشر إلى نمط تكوينه وإذا لم يعيّن مجال تطبيقه النظري، والكلمة الميتة لا يمكن لها ان تكون الكلمة الحقة، “الحقيقة هي الكل” الكل وقد بدت مفاصله، أي اللحظات المختلفة التي بها ينشئ ذاته كلاً. بهذا المعنى يكون المطلق “أو الحقيقة” “ذاتاً” فلا يوجد الذات “حيث المعرفة” في جهة والجوهر في جهة أخرى، ان الحق أو المطلق هو موضوع نموه الذاتي، والذات في نهاية المطاف تلتقي مع نفسها وقد جعلتها الصيرورة ماهي عليه”.

وإذا كان “المطلق ذاتاً فان هذا يعني انه الوحدة المشخصة بين المباشر والوساطة وبين الحدس والقول”.

ان “الله هو الروح، وليست الروح شيئا يمتلك وجودا مفردا إنما هي روح فقط، عندما تغدو موضوعية بالنسبة إلى نفسها وعندما تنظر نفسها في الآخر، بوصفه نفسها، ان الحقيقة الأعلى للروح هي الوعي الذاتي، الوعي الذي يتضمن الموضوعية في نفسه، ان الله كفكرة، هو ذاتي بالنسبة لما هو موضوعي، وانه موضوعي بالنسبة لما هو ذاتي”

ان السؤال الذي ينبغي طرحه هنا، هو: ما الذي تعنيه هذه الإضافة، اعني إضافة حقيقة “الذات” إلى المطلق ليصبح بهذه الإضافة كما عبّرت عنه جملة هيجل: ان المطلق ليس جوهرا، بل هو ذات أيضا؟ أو بفهم أكثر دقة لهذه الإضافة انه “ذات وليس جوهرا” بحسب عبارة هيبوليت من حيث انه يعتقد، ان صفة الذات ستتضمن معنى الجوهر، وتنسخه إلى معنى جديد له:
ومن اجل ان نفهم ذلك على نحو قريب، يتعين علينا الآن ان نحصي في نص واحد معنى ان يكون المطلق ذاتاً وليس جوهراً “حسب”.

في حقيقة الأمر، ان هذا التعيين الجديد للمطلق بوصفه ذاتاً، يعني اختزالاً وتمثلاً لجميع خصائص المطلق الهيجلي تلك التي سبق لنا التعرّف عليها، وهذا هو بالتحديد وجه الأهمية ومعناها أيضا، في قول هيجل، ان كل شيء يتوقـّف على إدراك ان الحق ذات.
من حيث ان هذه الخصيصة, وسننظر إليها الآن بوصفها النواة التي تصدر عنها وتلتقي عندها جميع الخصائص الأخرى لمطلق هيجل – هي:
أولاً: وهذا إيجاز لمضمون النقطة ب, تعني صفة الحياة والحركة التي تضع نفسها، وهي توسط آخر الذات مع نفسه، وهي سلب بسيط خال، وهي المزدوج الذي يضع هذه الذات، ثم يعود إلى سلب هذا التنوع، وهي عملية صيرورة المطلق الذاتية- وهي الدائرة التي تفترض مقدماً غايتها ونهايتها.

باختصار ان هذه الإضافة – النظر إلى المطلق بوصفه ذاتاً- توفّر لهيجل ان ينظر إلى المطلق, أولا ,بوصفه مباشرا بسيطا يضع ضده من خلال حركته الذاتية ثم يعود بفاعليته الخاصة ليمتص هذا الضد في وحدة أعلى، أي ان هذا الخصيصة توفر لهيجل ان يتحرك في وسط جدلي قادر على تحقيق غايته النهائية انطلاقا من النظر إلى المطلق بوصفه ذاتاً حية تحقق مشروع نفسها من حيث كونه قدرة ذاتية على التجلي إلى الآخر، إلى ضده، الذي هو في الوقت نفسه، آخره الخاص.
أو هو لحظة متطورة للذات نفسها عندما ترى نفسها في لحظة موضوعية وهذا هو المعنى الذي يؤكده هيبوليت بقوله الذي مرّ بنا:

“ليس المطلق وجوداً معطى مرة واحدة والى الأبد، وإنما هو عملية جدلية تحقق نفسها تدريجيا”.
ثانيا: ان النظر إلى المطلق بوصفه ذاتاً، يعني انه روح ,من حيث ان الروحي قادر بصفة الحياة التي يمتلكها على ان يحقق ذاته، في الآخر، آخره، فهو وجود من اجل الآخر، -الطبيعة والإنسان- ووجود من اجل ذاته أيضا، أو بعبارة جامعة هو “ما يكون في ذاته ولذاته في آن معاً، وهذا إيجاز للفقرة “ج” و “د”.
ثالثا: ان النظر إلى المطلق بوصفه جوهرا فقط، لا يمكـّن هيجل من النظر إليه، بوصفه متمايزاً يحتوي في ذاته، على عنصر ضمني يختلف عن ذاته، وهذا يعني انه غير قادر على النمو، والتجلي، من حيث ان لحظة التمايز والاختلاف والتوسط، هي مبدأ الحركة والتحول، في مطلق هيجل، اللحظة التي سيبقى من دونها، عاطلاً ساكناً لا حياة فيه ولا حركة داخلية تنطلق من فاعليته لتحقيق ذاته.
رابعا: ان حقيقة المطلق هذه بوصفه ذاتاً، تمنحه صفة العقل، عقل ذاته وعقل الآخر الذي يصدر عنه فضلا عن تعيينها لغايته، من حيث كونه ذاتاً عاقلة تمضي في صيرورة واعية لإدراك نفسها.
ذات هي الأصل، من حيث كونها مكتفية بنفسها ولا تستمد حقيقتها من شيء آخر، وهذا هو إيجاز مضمون النقطتين “د” و “هـ”.
خامسا: ان المذهب الذي تتمثل حقيقته القصوى وغايته النهائية في قول هيجل “الحقيقة هي الكل” لا يمكن بناؤه ولا يمكن النظر إلى حقيقته بوصفها الكل، إلا من خلال النظر إلى المطلق بوصفه هذه الذات التي تؤلّف مضمون حياة الكل بأجمعه.

إذ أنها ليست ذاتا ميتة، أو مذهبا صوْريا، إنما هو ذات متحققة، يشهد على صيرورتها واكتمالها الروح الإنساني نفسه، وقد تحققت فيه وبلغت لحظته في نهاية مطافها، وهذا الجزء الأخير من صيرورة المطلق، وهو المعرفة البشرية بحقيقة صيرورته, لا ينفصل عن صيرورة الذات نفسها، انه لحظة تتويجه وبلوغه لنهايته في مذهب فلسفي، هو مذهب هيجل نفسه، وهذا هو إيجاز لمضمون النقطة الأخيرة.

حقيقة الذات إذن، بنسبتها إلى المطلق تعني، وكما مر بنا: إنه أصل وروح وحياة، وقدرة على التجلي، وانه مباشر بسيط ومنقسم، وانه حركة جدلية ,وصيرورة لها غايتها، وهو نمو ذاتي، وانه يعقل نفسه، ويعقل الآخر، الطبيعة والإنسان – ثم يتوج غايته النهائية ببلوغه إلى لحظة الوعي البشري بمسيرته هذه كلها، وهي نوع معرفة، إذ تؤكد عدم الانفصال بين الوجود والمعرفة ,لا من حيث ان هذه المعرفة هي توثيق لصيرورة الوجود وهو يتجلى انطولوجيا ومعرفيا في آن واحد حسب، ولا من حيث ان الإنسان هو جزء من الصيرورة الانطولوجية للمطلق أيضا، بل من حيث ان الإنسان هو الشاهد والناطق باسم هذه الصيرورة كلها، صيرورة المطلق، الذي يبلغ الآن لحظة تحققه الكاملة في الإنسان نفسه.

حتى إذا أردنا إيجازا آخر لمعنى ان يكون المطلق ذاتا، وجدناه على نحو جلي في دراسة للدكتور زكريا ابراهيم، يفرّق فيها بين فهم هيجل للمطلق بوصفه ذاتا وفهم شلنج له بوصفه جوهرا حسب، يقول زكريا ابراهيم “لقد بقي شلنج اسبينوزي النزعة لأنه لم يستطع ان يتصور المطلق “الحقيقة الكلية باعتبارها ذاتا، اعني باعتبارها تطورا روحيا، وانعكاسا للروح على نفسها” والواقع ان مفهوم المطلق عند هيجل ينطوي منذ البداية على إحالة إلى الآخر، فهو يستلزم عملية الخروج من الذات من اجل إدراك الذات خلال انعكاسها على الطبيعة، على اعتبار ان معرفة الآخر، هي في الوقت نفسه معرفة للذات”.

وعن طبيعة الفرق بين مفهومي الذات والجوهر بوصفهما صنفين للمطلق، يقول د.ابراهيم: “وحين يأخذ هيجل على شلنج انه لم يفطن إلى ان المطلق روح أو ذات، فهو يعني بذلك ان شلنج لم يفهم المطلق على حقيقته باعتباره قدرة على التمييز والتوحيد، وبهذا المعنى يمكننا ان نقول ان عجز شلنج عن فهم المطلق باعتباره ذاتا هو الذي حدا به إلى تصور الحقيقة الكلية بصورة الجوهر الخاوي الذي لا ينطوي على أي فوارق ولا يحتوي على أي تنوع، ومن هنا فقد بقي المطلق عند شلنج حقيقة كلية مجردة، بدلا من ان يكون بمثابة الروح الحية الباطنة في الأشياء”.

أما عن موقع “الطبيعة” من حيث علاقتها بالمطلق، في حال كونه ذاتا أو جوهرا، فيحدده زكريا ابراهيم على النحو الآتي “ان الطبيعة في نظر شلنج كانت بمثابة حقيقة مستقلة تملك مركزها في نفسها، وكأن للطبيعة بنيتها الخاصة التي تجعل منها حقيقة باطنية مستقلة عن الحقيقة الباطنية للروح، في حين نجد ان الطبيعة عند هيجل قد فقدت هذا الاستقلال فأصبحت بمثابة خارج لا داخل له، أو بالأحرى نجد أن الروح عند هيجل هي بمثابة الداخل الذي يستحيل إلى خارج في صميم الطبيعة.. بل أصبحت حياة الكون بأسره مرهونة بحياة الروح”.

يضيف الدكتور ابراهيم ان المطلق على نحو ما يتصوره هيجل “حقيقة دينامية تتولد وتتحقق وتصدع وتتألم ومن ثم فهي تستحيل إلى شيء مباين لنفسها مع بقائها في الوقت نفسه هي بعينها في صميم ذلك التباين نفسه، ومعنى هذا ان هيجل يدخل فهمه للمطلق معاني السلب والتناقض والصراع فيجعل من المطلق، صيرورة حية يتمثل وجودها في علاقة الوساطة القائمة بين ماهي عليه الآن وما ستصير إليه، وتبعا لذلك فان وجود المطلق ليس مجرد هوية مع الذات، بل هو علاقة بالآخر وتباين مع الذات واغتراب في الطبيعة وارتداد إلى الذات في خاتمة المطاف”.

وهكذا يخلص الدكتور زكريا ابراهيم إلى القول: “ان نقد هيجل لنظرية شلنج في المطلق، قد أدى به إلى القول بثلاث نظريات مهمة: أولها ان المطلق لا مجرد جوهر، وثانيها ان المطلق ينطوي على سلب أو تناقض وثالثها ان الحقيقة الكلية هي في صميمها صيرورة، والصلة وثيقة بين هذه النظريات الثلاث لأنها جميعا تؤكد حقيقة واحدة إلا وهي ان المطلق ليس بمثابة كلي مجرد، بل هو كلي متجسد، يحقق ذاته، ويخرج من ذاته، ويتحامل على ذاته ويحقق ضربا من الهوية بين ماهو عليه وما هو صائر إليه…
وحسبنا القول ان فيلسوفنا قد أفسح مجالا واسعا – في تصوره للمطلق- لمعاني الألم والتناقض والصراع، والشر والسلب، فلم يعد المطلق حقيقة غير متحددة لا مكترثة عديمة المبالاة، بل أصبح ذاتا متجسدة، أو روحا حية، يدخل السلب في صميم حياتها، ويعمل التناقض عمله في صميم تطورها”.

المصادر

ينظر أنوود، ميخائيل: معجم مصطلحات هيجل، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 59.

هيبوليت: ماركس وهيجل ,مصدر سابق، ص 212.

وولتر ستيس: فلسفة هيجل، ص50.

ينظر على سبيل المثال ,هيجل : الموسوعة ج2, ص 28-29.
أنوود: معجم مصطلحات هيجل، ص 60.
ماركوز: نظرية الوجود ص 61.
هيجل: الظاهريات، ص 29 تعليق المترجم.

هيجل: الموسوعة: ج1، ص106.