في مسألة المخير والسير، التساؤل عن حرية الإنسان تساؤل لا ينتهي..

ومازلت أجد من يستوقفني في الطريق ويسألني .. هل الإنسان مخير أم مسير ؟؟!!

والذين يقرءون أكثر تساؤلا من الذين لا يقرءون .

والقضية أزلية ولا ينتهي الكلام فيها ولا ينتهي الفضول إلى كشف أسرارها لأنها مرتبطة بحقيقة الإنسان ولغز القدر .

وعمدة الحكم في نظري هو ما يشعر به الإنسان في أعماقه .

فتلك الشهادة التي تأتي من الأعماق هي برهان لا يعدله برهان وحجة لا تقف أمامها حجة .

والإنسان يشعر بالفعل في أعماقه أنه يختار في كل لحظة بين عدة بدائل .. وأنه ينتقي ويرجح ويفاضل ويوازن ويتخير .. وهو يحاسب نفسه ويحاسب الآخرين .. ويفرح إذا أصاب، ويندم إذا أخطأ .. وكلها شواهد على أننا نتصرف انطلاقًا من بداهة مؤكدة بأننا أحرار مسئولون .

ونحن نرى يد السجان تمتد إلى سجينه فيضطهده في لقمته ويضربه ويعذبه ويعقله من قدميه ويقهره على الهتاف باسمه قسرًا ويرغمه على التوقيع على ما لم يرتكب .
ولكن هل نراه يستطيع مهما استخدم من وسائل الإرهاب أن يجعل هذا السجين يحبه من قلبه قهرا .. ؟!

لا ..

هنا تقف كل وسائل الإكراه عاجزة .

وسوف يظل هذا السجين حتى الموت حرًا فيما يحب ويكره ..

حرًا فيما ينوي ويضمر .. لا يستطيع أحد أن يقتحم عليه غرفة ضميره ..

حتى الشيطان لا يستطيع أن يدخل قلبك إلا إذا فتحت له الباب وصادف إغراؤه هوى قلبك، ولكنه لن يستطيع أن يحملك على ما تكره مهما بلغت رسائله .

وذلك شاهد آخر على أن الله أعتق القلب وأعتق الضمير من كل وسائل الضغط والإكراه .

الإختيار إذاًَ حقيقة .. وحرية القلب حقيقة .. وحرية النية حقيقة .

والسؤال هو عن مدى هذا الاختيار وحدوده ؟

وكيف نزداد حرية ؟

ومَنْ هو أكثرنا حرية ؟

ثم كيف تكون هناك حرية مع مشيئة الرب وكيف تتفق هذه الثنائية مع عقيدتنا في التوحيد ؟

تلك هي علامات الإستفهام .

ورغم قهر الظروف وكثرة الضوابط و الموانع التى تحد حرية الانسان هنا و هناك إلا أن الإنسان تبقى له مساحة يتحرك فيها و يختار .. و تتسع هذه المساحة كلما اتسع علمه .

و قد أجاب الغزالى على هذا التساؤل الأزلي بكلمات فقال :

إن الإنسان مخير فيما يعلم مسير فيما لا يعلم .. أى أنه يزداد حرية كلما ازداد علما .

و قد رأينا مصداق هذا الكلام فى حياتنا العصرية و شاهدنا الإنسان الذى تزود بعلوم البخار و الكهرباء و الذرة يتجول فى الفضاء بالطائرات و الأقمار و يهزم الحَر و البرد و يُسخر قوانين البيئة و رأينا مساحة حريته تزداد و مجال تأثيره يتضاعف .

و قرأنا فى القرآن عن الذى عنده علم من الكتاب و كيف نقل عرش بلقيس فى طرفة عين .

و قرأنا كيف أحيا عيسى الموتى بسلطان من ربه .

و قرأنا كيف عرج محمد عليه الصلاة و السلام بمدد من الله إلى السموات و كيف جاوز سدرة المنتهى و بلغ مقام قاب قوسين أو أدنى من ربه .

و ذلك هو مجال الحرية الذى يزداد كلما ازداد علم صاحبه و الذى يبلغ أعلى المقامات بالعلم الربانى اللدني و بالمدد الإلهي الإحساني .

فالحرية حقيقة .

والإختيار حقيقة .

والناس متفاوتون فى هذه الحرية بتفاوت علمهم و تفاوت مقاماتهم قربا و بعدا من الله لأن هذه الحرية لا تأتي إلا بالله و من الله .

فالعلم منه و السلطان منه و النفخة التى نقلتنا من جمادية الطين إلى إنسانية الإنسان هى نفخته الربانية و التطلع إلى الحرية فطرة ضمن الفِطَر التى فطرها الله فينا .

و كل إنسان مفطور على اختيار الأحسن من وجهة نظره .

فأما الواحد من عوام الناس فيختار نفسه و مصلحته و شهوته لأنه يرى بنظره القريب أن نفسه هى الأحسن بين جميع الاختيارات .

و أما العارف بالله فهو لا يختار إلا الله لأنه يرى بنظره البعيد أن الله هو الأحسن بين جميع الاختيارات و هو باختياره لربه يخرج عن نفسه و عن اختياراتها و يُسلم إرادته لاختيارات الله له و ذلك هو منهج الطاعة .

و هو بخروجه من نفسه يخرج من المخالفة إلى الموافقة و من الثنائية إلى التوحيد و من المعاندة إلى الانسياب مع الله فى كافة أحواله و تقلباته .

فإذا وقع فى المعصية فإنه لا يصلح أن يقول : إن الله قدرها عليه لأن الله لا يختار لنا إلا شريعته و لا يحب لنا إلا طاعته و هو العارف صاحب الدعوى الذى ادعى أنه خرج من إرادته إلى إرادة ربه .. فهو إن عصى فإن معصيته تشهد على كذب دعواه و أنه مازال عند نفسه لم يبرح .

بل إن العارف الحق بخروجه من نفسه يخرج من منطقة الاختيار كلها و يدخل منطقة الإسلام .. الإسلام لله و للمشيئة الإلهية .. فهو يجتهد فى عمله لأن الله أحب له الاجتهاد و لكنه لا يحزن لخسارة و لا يفرح لنجاح و لا ييأس على فشل لأنه فوض النتائج إلى الله و ارتضى أحكامه بلا جدل .

و بخروجه من منطقة الاختيار يخرج أيضا من المساءلة و ترفع عنه المحاسبة فيكون ممن يوفى لهم أجرهم بغير حساب .

و تلك هى سنة الفرقة الناجية .. خروج من اختيار النفس إلى اختيار الرب .. و تبرؤ من الحول و الطول .. و إسقاط للتدبير .

يقول الصوفى النفرى إلهاما عن ربه :

يا عبدى أَلق الاختيار أُلق المساءلة البتة .

فأهل التفويض و التوكل هم أهل الجنة بالتزكية لأنهم أسقطوا اختيارهم و عاشوا وفق الإرادة الإلهية .

أما أهل الإختيار فهم واقفون عند نفوسهم يتخيرون بين حظوظهم و قد وكلوا أمرهم إلى عقولهم التى تخطىء و تصيب .. فوضعوا أنفسهم مع أهل المساءلة .

فمن يختار يُسأل .

و من أسقط الاختيار و أسقط التدبير لا يعود هناك مجال لمساءلته فمثله لا تقع فى حقه معصية لأنه أسقط مشيئته ضمن ما أسقط من اختيارات .

و شاهد إسقاط التدبير فى حق العارف هو كماله فلا يكون مع الله إلا الكمل .. و لا يصح الإدعاء بأنك مع الله و شواهد أعمالك تدل على أنك مع هواك و شهواتك فتلك تكون حجة الله عليك بأنك كذّاب .

و لهذا لا يترك الله المؤمنين العارفين الذين يدّعون أنهم من أهله و خاصته دون أن يبتليهم و يفتنهم .. فتلك دعوى عريضة لا يصح أن تفوت دون امتحان .

” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون .. و لقد فتنا الذين من قبلهم .. فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ” ( 2 – العنكبوت )

و العجيب أن الملحدين و أهل الفكر المادى يقولون بالجبر و الحتمية ثم نرى جميع تصرفاتهم أبعد ما تكون عن هذا الاعتقاد و كان المفروض لو كانوا صادقين فى دعواهم بعدم جدوى الحرية الفردية أن يسلموا هذه الحرية لربهم المزعوم ( المادية الجدلية ) و لكن ما يحدث دائما هو العكس فنرى تاريخهم تاريخا دمويا لجبابرة الحكم الفردي .. ستالين .. لينين .. منجستو .. و ما منهم إلا و يقول : .. أنا ..
و ما منهم إلا مدّعٍ يتصور أنه يصنع التاريخ .. و ينسى الواحد منهم أنه قال منذ لحظات أن المادية التاريخية هى التى صنعت له وعيه و عقله و موقفه .

فإذا كانت المادية التاريخية هى التى أفرزت الفن و الفكر و الدين و الوعى فكيف بك يا صاحبى تعود فتدّعى لنفسك أنك تصنع التاريخ و أنت أحد مصنوعات هذا التاريخ .. إلا أن تكون قد عدت فناقضت نفسك و تصورت لإرادتك علوا على التاريخ المادى بما يشفع لها أن تعود فتصنع التاريخ من جديد .

و إذا كان للإرادة الإنسانية علو على التاريخ .. فذلك هو سبق الفكر على المادة الذى تنكرونه فى أ ب فلسفاتكم .

فهذا أنتم قد تصورتم أنكم وضعتم الهرم على قاعدته ثم عدتم فقلبتموه على سنامه .

و هؤلاء هم أهل الضلال البعيد .

أما الوجوديون و العبثيون من أهل الحياة مع الهوى و اللحظة فهؤلاء يقولون أنهم اختاروا نفوسهم فالحياة الحقة عندهم هى أن تكون نفسك .. لا تعبأ بعرف أو تقليد أو دين أو أخلاق و إنما تعيش لحظتك كما تحب و تهوى فأنت لا تملك غير لحظتك و اللحظة التى تمضى لا تعود .

و الحق أن كلا منهم قد اختار حيوانه و أطاع غريزته و أسلم لنزواته و استلهم فكرته .. فهو الآخر عبد و إن يتصور أنه حر .. عبد لآلهة كثيرة تتجاذبه و تتقاسمه .. ثم أنه هو و آلهته عبيد لله دون أن يدرى .. فالكل منه و إليه .

” قل كل من عند الله ” .

و الكون بنواميسه و ما فيه من جمال و فن و فكر و حب و قوانين مادية جدلية و نظريات عبثية ووجودية و أفكار فوضوية .. هو كون مخلوق لله .. و هو مظهر من مظاهر التجلى الإلهى و المشيئة الإلهية .. فلا شيء فى الكون يخرج عن مشيئة الله و إن خرجت بعض الأشياء عن رضاه .

و الكل مسلم لله طوعًا أو كرهًا .

و إنما كل الفارق هو فارق بين عارف و جاهل .

فالعارف أدرك الحقيقة فأسلم باختياره و خرج عن نفسه طوعا و حبا و كرامة و انضوى تحت المشيئة بكليته راضيا سعيدا .

و الجاهل تصور أنه ليس عبدا لأحد .. و أنه لا مشيئة لأحد عليه و أنه اختار نفسه ( و هو ما اختار إلا حيوانه ) .

و الحق أنه هو الآخر عبد خاضع دون أن يدرى .. و إنما هو خاضع بالكرباج منساق بالعصا يتصور أنه يسير إلى الأمام و هو يدور فى ساقية و على عينيه عصابة كالثور يكدح لبطنه و شهواته .

و قد أخرجه جهله و عناده من القرب إلى البعد .

و لأهل البعد النار و لأهل القرب الجنة .

و إنما تكون الجنة مكافأة لعارف عَرف .

و لا حرية إلا لعارف .

و لا حرية إلا بالله و من الله .

و لا تأتى الحرية إلا خلعة من الله .

إنما تأتى حرية العرف من أنه اختار ربه فخلع الله عليه حريته و صفاته فأصبح العبد الربانى الذى يرى ببصر الله و يسمع بسمع الله و يحيا بحياته و تلك هى الحرية القصوى التى يحرك بها العارف الجبال و التى أسرى بها محمد عليه الصلاة و السلام إلى المسجد الأقصى و عرج إلى السموات و جاوز المنتهى .. و التى أحيا بها عيسى الميت .

أما التحرر بمعنى التمرد على الشرائع و عصيان الأمر الإلهى و استباحة الأعراف الخلقية فهو مثل السباحة ضد التيار نهايتها الإنهاك و التعب ثم الغرق .

و كيف يكون الإضراب عن الطعام و الشراب و التنفس حرية .. و هل تكون إلا حرية الموت أو حرية القضاء على الحرية .

و كيف يكون اتباع الشهوات حرية و الشهوات ذاتها عبودية و قيد و كيف تزداد حرية بدخولك فى جاكتة جبس و خضوعك لحيوانك .. !

إنما التحرر لا يكون إلا خروجا من النفس و ضروراتها و استعلاء على هواها و شهواتها .

و العارف الذى خرج من نفسه و اختار ربه هو بالمعنى العميق قد اختار حقيقته فهو ما خرج إلا عن نفسه الحيوانية الأمارة و تلك نفس دونية طينية حكمها حكم الجسد .

أما حقيقة كل إنسان فهى نفسه العلوية الملكوتية التى هى على مثال النفخة الربانية التى أودعها الله فى الجسم .

و هى المثال الذى خلقه الله فى أحسن تقويم فى المبدأ الأول .

و العارف باختياره لربه قد اختار نفسه الحقيقية ( النفس المثال التى خلقها الله فى أحسن تقويم ) .

” لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ” ( 4 – التين )

و لقد ردنا الله إلى أسفل سافلين حينما أودع هذه النفس العلية فى الحشوة الطينية و ابتلاها بالشهوات و الحيوانية .. و تلك هى حياتنا الدون التى نحياها .. و لكن العارف بخروجه من هذه النفس الحيوانية يسترد الأولى و يعيش نفسه الحقيقية و يكتشف نسبة الروحانى باعتباره نفخة من الله و هو بهذا يختار أصله و حقيقته . يختار ربه .

إنه إذاً أعلى درجات الاختيار و إن كان فى الظاهر خروجا من الاختيار و إسقاطا للتدبير .


و حرية العبد بهذه الصورة لا تتنافى مع التوحيد .. فما أخذ العبد حريته إلا من الله و ما جاءت حريته فى أن يشاء إلا بمشيئة إلهية و دستور إلهى .. فقد أرادنا الله أحرارا .. و لم نغتصب نحن هذه الحرية من الله اختلاسا .

” و ما تشاءون إلا أن يشاء الله ” . ( 30 – الإنسان )

ثم إن الله حينما قضى علينا قضاءه المسجل فى كتابه فإنما قضى على كل إنسان قضاء من جنس قلبه و من جنس ضميره و من جنس نيته .. من أراد حرث الدنيا مهد له فيها و من أراد حرث الآخرة هداه إليها .

” من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ” . ( 20 – الشورى )

” إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ” .

( 70 – الأنفال )

” فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى فسنيسره لليسرى و أما من بخل و استغنى و كذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ” .

( من 4 إلى 10 – الليل )

” فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ” 10 – البقرة .

” و الذين اهتدوا زادهم هدى ” . 17 – محمد

تأتى التيسيرات دائما من جنس النية .. فلا ثنائية و لا تضاد بين اختيار الرب و اختيار العبد .. و إنما الإرادتان تلتقيان فى خط واحد و إرادة واحدة .. الله يسيرك إلى عين اختيارك و يختار لك من جنس نيتك .. لا تناقض و لا ضدية .

و مراد الله بهذا أن يخرج المكتوم فى القلوب .

” و الله مخرج ما كنتم تكتمون ” .. ( 72 – البقرة )

ليتم الغرض من الدنيا كدار ابتلاء و امتحان .

و يظل الله هو الحاكم الأحد بلا شبهة شريك .. فلا حرية إلا به و لا تيسير و لا تمكين إلا بإذنه .

أما خارجا عن الله .. فلا حرية و لا حياة و لا قدرة :

فما سوى الله نار

و ما سوى الله ظلمة

و ما سوى الله قيد

و سبحان الذى أسرى بعبده

فلا سريان لنا إلا على جناحه

و لا نفاذ من أقطار السموات و الأرض إلا بسلطانه .

و لا حرية إلا به

و لا نور إلا بنوره .

و هذا الاعتراف هو عين الإسلام .

و هو عين شهادة أن لا إله إلا الله .

أى لا حاكمية و لا سلطان إلا له .. تقدست أعتابه عن الند و الضد و الصاحبة و الولد و الشريك و الشبيه
د. مصطفى محمود رحمه الله
القرآن كائن حي