نظرية المعرفة عند الفيلسوف ابن سينا(427ه)

لقد اختلف رواد الفلسفة الإسلامية قديما على مصدر -المعرفة الإنسانية- هل الإنسان يستقي معرفته من الحواس أم العقل أم ندرك معرفتنا ادراكا حدسيا مباشرا دون وساطة ودون علل وأسباب مسبقة؟

فذهب ابن سينا كما ذهب استاذه أرسطو طاليس . بأن المعرفة الإنسانية لها مصدرين هما الحواس والعقل مع اعلائه من شأن القياس البرهاني العقلي ، وذهبت فرقة الصوفية وعلى رأسهم الإمام الغزالي . بأن أصدق الدرجات المعرفية هي التي تعتمد على -الحدس- أي أن المعرفة الإنسانية تقذف في النفس من قبل الخالق دون أي مقدمات ودون علل أو أسباب ، ثم جاء عميد الفلسفة العقلانية ابن رشد ليجعل العقل المعيار الأساسي لحكمنا على صحة معرفتنا وخبراتنا للأشياء.

وبما أننا لا نبحث هذه الأراء لمجرة الترف الفكري والثقافي ولا لمجرد المتعة أو اللذة الزهنية والعقلية . فينبغي علينا إذن أن نحدد الغاية والهدف من البحث في نظرية المعرفة عند الفلاسفة العرب والمسلمين؟ وببساطة شديدة فإن غايتنا هي أن نحدد ونفصل بين الأفكار والأراء التي ينبغي علينا أن نحيها وننشرها لأنها تتسق مع عالمنا وعصرنا أي أنها تتسق مع الحضارة الإنسانية الحديثة التي ترتكز على عنصرين أساسيين هما – العقل والتجربة- ومن ناحية أخرى نتجاوز الأفكار والأراء التي تقف حاجزا أمام التفكير العقلاني ومبادىء العلم وتقطع الصلة بين العلل ومعلولاتها والأسباب ومسبباتها..

(1) ابن سينا(373-428)هجرية

في البداية قام ابن سينا بتقسيم المعرفة إلى ثلاثة أقسام.
(أ)المعرفة الحسية
(ب)المعرفة العقلية
(ج)المعرفة الذوقية
وهذا التقسيم الذي ذهب إليه ابن سينا نابع من رأيه في وسائل المعرفة الإنسانية.
فهو ينادي بالقول بوجود ثلاث ملكات في النفس كوسائل لإدراك الموجودات.
فهناك الحواس ثم العقل وأخيرا الحدس أو البصيرة . ولما كان ابن سينا فيلسوفا في المقام الأول ، فإنه قد ركز على جانبي المعرفة:الحسي والعقلي . أي أنه ركز على ما تنقله إلينا الحواس من لمس وتذوق وشم وسمع وبصر بجانب المعرفة العقلية القائمة على البرهان والمنطق العقليين وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف اليوناني أرسطو.
وبالنسبة للجانب الذوقي الصوفي فبرغم أنه لم ينكر هذا الجانب في المعرفة ولكن هذه الوسيلة تجيء في المقام الثالث بعد المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.
يقول فيلسوفنا: وتبدأ المعرفة الحسية باتصال الحس الظاهر بالعالم المحسوس . حيث ينبغي أن يكون المحسوس موجودا كشرط ضروري للمعرفة الحسية . فالحس لا يدرك ما يدركه ، أو ينفعل عن ما يدركه ، في غيبة الحواس . والمحسوس هنا دوره نشط وفعال . بمعنى أنه لابد أن يؤثر على عضو الحس لكي يتم الإحساس . فبدون هذا التأثير والتأثر ، أي بدون الفعل من جهة المحسوس والإنفعال من جهة عضو الحس . لا يتم الإحساس . لأن الإدراك الحسي هو حصول صورة المدرك في ذات المدرك وفي الإدراك الحسي يكون هناك فعل وانفعال لا محالة.
وبعد حديث ابن سينا عن المعرفة الحسية أوضح مميزاتها وعيوبها ، إذ أنها بلا شك تلعب دورا رئيسيا في المعرفة الإنسانية بوجه عام ، فكل النتائج التي توصل إليها العالم الأنساني الأن قد ارتكزت في المقام الأول على الجانب الحسي المادي التجريبي ، وإليك بعض سمات التجربة الحية عند فيلسوفنا.
(أ)المعرفة الحسية لا تعطينا إلا معرفة نسبية.
(ب)المعرفة الحسية تدرك الأشياء على غير حقيقتها(وهذا القول شبيه بقول أصحاب الفلسفة المثالية وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت.
(ج)أنها تتوقف على طبيعة المدرك ذاته.
(د)لا تدرك إلا المادي فحسب.
لهذا تجاوز ابن سينا المعرفة الحسية واتجه إلى المعرفة العقلية . وهو يقدر أهميتها حيث لا ينبغي في رأيه ، أن نرفضها كلية أو نصدقها كلية . وهنا يأتي دور العقل الذي يقيم هذه المعرفة التي نقلتها له حواس الإنسان . ذلك أن العقل مدين بالكثير مما لديه من أراء وأفكار وتصورات ومقدمات تجريبية للحس والحواس . فبدون الخبرة والتجربة الحسية لانتفت عن العقل مجموعة كبيرة من المعلومات لم يكن بوسعه أن يصل إليها بمفرده . ولكن للعقل هنا أهمية ربما تفوق أهمية الحواس . فينما نكون معرفتنا المبدئية عن طريق حواسنا فإن دور العقل هو معرفة القوانين الكلية فالعقل على سبيل المثال هو الذي اكتشف قانون الجاذبية وليست الحواس وبالعقل استطاع الإنسان يفسر الكثير من مظاهر الطبيعة حوله ويكتشف قوانينها.

وهكذا جمع ابن سينا بين الجانبين المادي المحسوس والعقلي المجرد وكانت هذه الثنائية أكثر ما ميزت نظرية المعرفة عند ابن سينا ، ةفي حقيقة الحال نحن العرب في ذلك الوقت نحتاج إلى هذه النظرة الثنائية التي تعتمد على – المطق والأستقراء – أي نكون في هذه الحالة جمعنا بين أهم مصدرين من مصادر المعرفة هما المادي والعقلي ، ولا يخفى على أحد أن هذين العنصرين هما بمثابة القدمين التي تقف عليهما الحضارة الإنسانية الحالية –

انظر كتاب الفلسفة الإسلامية للدكتور فيصل بدير عون ص299