مجزوءة الوضع البشري ملخص دروس مفاهيم الشخص,الغير,والتاريخ

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا جميع الشعب والمسالك

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع تقديم عام لمجزوءة الوضع البشري

6- الأستاذ محمد بضاض

تقديم

عندما نتحدث عن الوضع البشري، فإننا نقصد بذلك كل ما يحدد الذات البشرية ويشكلها في مختلف مستويات وجودها، تلك المستويات التي تتصف بالتداخل والتشابك، الأمر الذي يجعل من هذا الوضع وضعا معقدا يصعب النفاذ الى عمقه وكنهه. ولعل الصعوبات الأساسية التي تعترض سبيل كل من يحاول معرفة هذا الوضع، تتمثل في مكوناته التي يتداخل فيها ماهو مرتبط بالذات كذات، وماهو مرتبط بالذات في علاقتهما بالأخرين، وماهو مرتبط بالذات في علاقتها بالزمن… أي ما هو متعال عن الزمان والمكان، وماهو مرتبط بهما. إن هذا الوضع المتشابك يحيلنا من جهة الى مسألة الشخص وما يتعلق بهويته، باعتباره ذاتا قادرة على إدراك ذاتها، ومعرفة خصوصياتها، بفضل وعيها أو وعيها بذلك الوعي أو شعورها بإحساساتها…إلخ.

ومن هنا تطرح مسألة الهوية الشخصية، أي ما الذي يجعل كل شخص هو بالنظر الى ذاته؟

ما الذي يميز هذا الشخص عن ذاك، ويمنحه كينونته الخاصة؟

وهل تعتبر هذه الهوية الشخصية هي ما يمنح الشخص قيمته، مقارنة مع باقي الكائنات الأخرى، أم أنه يستمد تلك القيمة من بعد آخر غير وعيه الذي – وإن كان قادرا على الارتقاء به الى مستوى أعلى من مستوى الكائنات الأخرى – لا يمنحه غير قيمة مبتذلة ومنحطة؟

الى جانب هوية الشخص وقيمته، تطرح أيضا مسألة الوضع الإشكالي لوجوده، بين خضوعه لحتميات وضرورات لا يستطيع التخلص منها، باعتبارها ما يحدد ذلك الوجود. وبين قدرته على التعالي عن ذلك الوضع، باعتباره ذاتا واعية مفكرة…من هنا نستطيع أن نميز بين الوضع البشري، وبين الطبيعة البشرية، فإذا كان الوضع البشري يحيل الى ماهو كوني، ومشترك، ومتعالي في الإنسان، فإن الطبيعة البشرية تشير الى العناصر الموضوعية التي تحيط بهذا الإنسان أو ذاك، وهي العناصر المرتبطة بالتاريخ، والظروف الاجتماعية، والضرورات المتحكمة في الإنسان…

وعندما ننفتح على علاقة الذات بالآخر، تبرز مسألة الغير باعتباره ذلك المماثل والمخالف للذات. فإذا كان لكل شخص هويته الخاصة به،

فكيف يمكن للهوية الذاتية أن تثبت وجود هوية أخرى تتماثل معها، وتختلف عنها في آن واحد؟ كيف يمكننا إثبات وجود الغير انطلاقا من هذه الثنائية التي تجعل منه ذاتا وموضوعا في نفس الوقت؟ فإذا كانت موضعته قد تختزله الى مجرد موضوع أو شيء فكيف يتأتى لنا فهم طبيعة وجوده؟

و إذا نحن تجاوزنا ذلك و أثبتنا للغير وجوده، فهل تتأتى لنا معرفته انطلاقا من نفس الاعتبار؟

ألا تشكل ثنائية ذات/موضوع عائقا أمام تحقيق تلك المعرفة؟

وإذا تجاوزنا الصعوبات التي يثيرها وجود الغير مثلما تثيرها معرفته، فما هي طبيعة العلاقات الممكنة بين الذات والغير، هل هي علاقة داخلية أم خارجية؟ هل هي علاقة تعاطف، أو تواصل، أو غرابة، أم ماذا؟

أما البعد الثالث-خاص بالشعب الأدبية- المرتبط بالإنسان، فإنه يتمثل في علاقته بالزمن، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي تاريخه الشخصي اعتمادا على ذاكرته، إلا أن السؤال المطروح هو: كيف يمكن أن نجعل من ذلك الوعي بالتاريخ، سواء تعلق الأمر بالتاريخ الشخصي أو بالتاريخ العام، معرفة تمتلك من الدقة ما يجعلها ترقى الى مستوى المعرفة العلمية؟

كيف يمكننا أن نستعيد أحداث ووقائع من الماضي بشكل يكون أقرب الى كيفية حدوثها، بالرغم من كوننا غير شاهدين على ذلك الحدوث؟

وإذا نحن استطعنا تحقيق تلك المعرفة المتعلقة بالماضي الإنساني، فماذا يمكن أن نستخلصه منها؟ هل هي مجرد أحداث ووقائع لا تخضع لأي نظام، ولا ترمي الى غاية أو هدف (أحداث اعتباطية) أم أن لها دلالة ومعنى معينين؟

ما طبيعة الصيرورة التاريخية، هل هي صيرورة تتقدم في اتجاه ما، أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد أحداث متراصة زمنيا بحيث لا نستطيع معرفة مسارها وتوجهاتها؟

وأخيرا هل للإنسان دور في صناعة الأحداث التاريخية، أم ان هناك قوى خارج الإنسان، سواء كفرد أو كجماعة هي التي تحرك تلك الأحداث وتصنعها؟ أي دور للإنسان في التاريخ إذن هل هو كائن فاعل، محرك وصانع للتاريخ أم أنه ناتج ومفعول به من طرف قوى متعالية عليه وعلى تلك الأحداث؟

2-مفهوم الشخص

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا جميع الشعب والمسالك

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع المحور الأول مفهوم  الشخص

 

6- الأستاذ محمد بضاض

1-الطرح الإشكالي

إن الحديث عن الشخص هو حديث عن الذات أو الأنا، والشخص هو مجموع السمات المميزة للفرد الذي هو في الأصل كيان نفسي واجتماعي متشابه مع الآخرين، ومتميز عنهم في نفس الوقت، لكن هويته ليست معطى جاهزا، بل هي خلاصة تفاعل عدة عناصر فيها ما هو بيولوجي، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي …، وهذا ما يجعلنا نطرح إشكال الشخص على شكل أسئلة فلسفية وهي:

  • فيما تتمثل هوية الشخص؟
  • أين تكمن قيمته؟
  • هل الشخص في حر تصرفاته؟ أم يخضع لضرورات حتمية؟

2-المحور الأول: الشخص والهوية

أ-الهوية والشعور

تتمثل هوية الشخص في نظر “جون لوك” في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل بواسطة الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة، حيث لا يمكن الفصل بين الشعور والفكر، لأن الكائن البشري لا يمكن أن يعرف أنه يفكر إلا إذا شعر أنه يفكر، وكلما امتد هذا الشعور ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، اتسعت وامتدت هوية الشخص لتشمل الذاكرة، لأن الفعل الماضي صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر، إن هذا الشعور حسب لوك هو الذي يشكل الهوية الشخصية للفرد التي تجعله يشعر أنه هو هو لا يتغير، كما تجعله يشعر باختلافه عن الآخرين.

ب-الهوية والإرادة

يلاحظ آرثر شوبنهاور أن الفرد يكبر ويشيخ، لكنه يحس في أعماقه أنه لازال هو هو كما كان في شبابه وحتى في طفولته، هذا العنصر الثابت هو الذي يشكل هوية الشخص، إلا أن شوبنهاور لا يرجع أصل الهوية إلى الجسم، لأن هذا الأخير يتغير عبر السنين، سواء على مستوى مادته أو صورته، في حين أن الهوية ثابتة الشعور بالذاكرة والماضي، لأن الكثير من الأحداث الماضية للفرد يطويها النسيان، كما أن إصابة في المخ قد تحرمه من الذاكرة بشكل كلي، ومع ذلك فهو لا يفقد هويته العقل والتفكير، لأنه ليس إلا وظيفة بسيطة للمخ، إن هوية الشخص في تصور شوبنهاور تتمثل في الإرادة، أي في أن نريد أو لا نريد.

المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة

أ-قيمة الشخص في ذاته

إن الكائنات العاقلة (الأشخاص) في تصور إيمانويل كانط لها قيمة مطلقة باعتبارها غاية في حد ذاتها، وليست مجرد وسيلة لغايات أخرى، في مقابل الموضوعات غير العاقلة (الأشياء) التي ليست له اإلا قيمة نسبية، قيمة مشروطة بميولات وحاجات الإنسان لها، حيث لو لم تكن هذه الميولات والحاجات موجودة لكانت تلك الموضوعات بدون قيمة، إن لها قيمة الوسائل فقط وهذا ما يحتم على الشخص حسب كانط، الالتزام بمبدأ عقلي أخلاقي عملي إن: هو الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها.

ب-قيمة الشخص والجماعة

إن فكرة استقلال الذات المفكرة والشخص الأخلاقي، وكما تمت صياغتها من طرف الفلاسفة (ديكارت، كانط…) لم تتحقق في الفكر الإنساني إلا في وقت متأخر في نظر جورج غوسدورف، لكن بالرجوع إلى بداية الوجود الإنساني وكما عاشها الناس فعليا، فإننا نجد الفرد كان يعيش ضمن الجماعة من خلال أشكال التضامن البسيطة والأساسية (الأسرة، العشيرة، القبيلة …) التي سمحت لهذه الجماعة بالبقاء، إن قيمة الشخص إذن لا تتحدد في مجال الوجود الفردي حسب غوسدورف، ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية.

المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية

أ-الشخص والضرورة

لقد أقر سيغموند فرويد للأنا بوجود مستقل كأحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية، وله نشاط شعوري يتمثل في الإدراك الحسي الخارجي والإدراك الحسي الداخلي، والعمليات الفكرية، ويضطر للخضوع لثلاث ضغوطات متناقضة، وهي الهو الذي يتمثل في الدوافع الفطرية والغريزية، والأنا الأعلى الذي يتجلى في الممنوعات الصادرة عن المثل الأخلاقية، والعقاب الذي تمارسه بواسطة تأنيب الضمير، إضافة إلى الحواجز التي يضعها العالم الخارجي والاجتماعي، إن الأنا يخضع حسب فرويد، لضرورات الهو، والأنا الأعلى، والعالم الخارجي.

ب-الشخص والحرية

إن الإنسان حسب سارتر يوجد أولا، أي ينبثق في هذا العالم ثم يتحدد بعد ذلك وفق ما سيصنع بنفسه، وكما يريد أن يكون في المستقبل، إن الإنسان مشروع يعاش بكيفية ذاتية، هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها، ويحددها، وذلك بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل أو الفعل أو الحركة في إحدى الإمكانات المتاحة أمامه، وبما أن هذه الوثبة تتخذ أشكالا متنوعة بحسب الأفراد، فإننا نسميها كذلك اختيارا وحرية، إن الشخص في نظر سارتر يتمثل قي قدرته على الحرية في الاختيار.

ج-استنتاجات عامة

إن هوية الشخص ليست معطى بسيطا، بل هي عنصر مركب يتشكل من مجموع السمات التي تميز ذات الإنسان، والتي تتجلى في الخصائص الجوهرية والثابتة فيه كالعقل، والشعور، والإرادة.

إن قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة، فهي قيمة تمسه كفرد يمتلك كرامة تلزمنا أن نتعامل معه كغاية في ذاته، كما تمسه كعنصر داخل الجماعة ما دامت الجماعة هي التي تمنح الفرد قيمته.

إن الشخص يخضع لمجموعة من الشروط التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، لكنه في نفس الوقت يمتلك هامشا من الحرية، يستطيع من خلاله أن يعدل إن لم نقل يغير تلك الشروط.

3-الغير

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا جميع الشعب والمسالك

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع المحور الأول مفهوم  الغير

6- الأستاذ محمد بضاض

1-الطرح الإشكالي

إن مفهوم الغير من المفاهيم الفلسفية الحديثة التي لم تحتل مركز الصدارة إلا مع فلسفة هيغل، بعدما كان كل اهتمام التفكير الفلسفي يتمحور حول الذات، وبما أن الذات قد تنتج أفكارا خاطئة حول موضوعات خارجية نتيجة خداع الحواس، فإن هذا الأمر قد يدفع إلى الشك في الغير، ووضع وجوده بين قوسين، مما يترتب عن ذلك أن إنتاج معرفة حول الغير تتميز بالاختلاف، بل احتمال عدم إنتاجها أصلا، إضافة إلى تعدد وتنوع العلاقة التي تربطنا به، وهذا ما يمكن التعبير عنه بواسطة الأسئلة الآتية:

  • هل الغير موجود أم لا؟
  • هل معرفة الغير ممكنة؟ وإن كانت كذلك كيف يمكن أن نبني هذه المعرفة؟
  • ما طبيعة العلاقة التي تربط الذات بالغير؟

2-المحور الأول: وجود الغير

أ-وجود الغير والصراع

يكون وعي الذات وجودا بسيطا لذاته حسب فريدريك هيغل تقوم ماهيته في كونه أنا، غير أن الآخر هو أيضا وعي لذاته، باعتباره لا / أنا، هكذا تنبثق ذات أمام ذات، يكون كل واحد بالنسبة للآخر عبارة عن موضوع، كل منهما متيقن من وجود ذاته، وليس متيقنا من وجود الآخر، لكن مازال لم يقدم بعد أحدهما نفسه للآخر، تتمثل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر في إظهار أنها ليست متشبثة بالحياة، وهي نفس العملية التي يقوم بها الآخر حينما يسعى إلى موت الآخر، أي الأنا، إن وجود الغير بالنسبة للأنا في تصور هيغل يتم بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت، لأن على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته، وبالنسبة للآخر.

ب-وجود الغير ووجود الذات

إن الموجود هنا باعتباره وجودا فرديا خاصا لا يكون مطابقا لذاته – في نظر مارتن هايدغر – عندما يوجد على نمط الوجود “مع / الغير”، فهذا الوجود المشترك يذيب كليا الموجود هنا، الذي هو وجودي الخاص في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون ويفقدون ما يميزهم وما ينفردون به، مما يسمح بسيطرة الضمير المبني للمجهول، هذا المجهول ليس شخصا متعينا، إنه لا أحد، كما أن بإمكان أي كان أن يمثله، إن وجود الغير – في تصور هايدغر – يهدد وجود الذات من خلال إذابتها وسط الآخرين، ووسط المجهول.

المحور الثاني: معرفة الغير

أ-الغير والحميمية

إن حميميتي، أي حياتي الخاصة هي عائق أمام كل تواصل مع الغير، يقول غاستون بيرجي: “حيث تجعلني سجين ذاتي، فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي بالنسبة لي، وهي تجربة غير قابلة للنقل إلى الآخر، فأنا أعيش وحيدا وأشعر بالعزلة، كما أن عالم الغير منغلق أمامي بقدر انغلاق عالمي أمامه، فعندما يتألم الغير يمكنني مساعدته، ومواساته ومحاولة تخفيف الألم الذي يمزقه، غير أن ألمه يبقى رغم ذلك ألما خارجيا بالنسبة لذاتي، فتجربة الألم تظل تجربته الشخصية وليست تجربتي”، وهكذا تتعذر معرفة الغير – في نظر بيرجي – مادام الإنسان كائنا سجينا في آلامه، ومنعزلا في لذّاته، ووحيدا في موته، محكوما عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل.

ب-الغير بنية

إن الغير ليس فردا مشخصا بعينه – حسب جيل دولوز – بل هو بنية أو نظام العلاقات والتفاعلات بين الذوات والأشخاص، يتجلى هذا النظام في المجال الإدراكي الحسي، مثلا فأنا حين أدرك الأشياء المحيطة بي لا أدركها كلها ومن جميع جهاتها وجوانبها وباستمرار، وهذا يفترض أن يكون ثمة آخرون يدركون مالا أدركه من الأشياء، وفي الوقت الذي لا أدركه، وإلا بدت الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها مجددا، وإذا كان هذا مستحيلا، فإن الغير إذن يشاركني إدراك الأشياء، ويكمل إدراكي لها، وهكذا يجرد دولوز الغير من معناه الفردي المشخص، ويضمنه معنى بنيويا.

المحور الثالث: العلاقة مع الغير

أ-علاقة الصداقة

إن الصداقة باعتبارها مثالا هي اتحاد شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام، في نظر إيمانويل كانط وغاية هذا المثال هو تحقيق الخير للصديقين الذين جمعت بينهما إرادة طيبة، يتولد عن مشاعر الحب تجاذب بين الصديقين، في حين يتولد عن مشاعر الاحترام تباعد بينهما، إذا تناولنا الصداقة من جانبها الأخلاقي فواجب الصديق تنبيه صديقه إلى أخطائه متى ارتكابها، لأن الأول يقوم بهذا التنبيه لأجل خير الثاني، وهذا واجب حب الأول للثان، بينما تشكل أخطاء الثاني تجاه الصديق الأول إخلالا بمبدأ الاحترام بينهما، لا يجب إذن أن تقوم الصداقة – حسب كانط – على منافع مباشرة ومتبادلة، بل يجب أن تقوم على أساس أخلاقي خالص.

ب-علاقة الغرابة

لقد رفضت جوليا كريستيفا المعنى اليوناني القديم لمفهوم الغريب المرتبط بالآخر، الذي نكن له مشاعر الحقد باعتباره ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة، أو ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى المجتمع، إن الغريب في نظرها يسكننا على نحو غريب، ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا نستبعد أن نبغضه في ذاته، إن الغريب يبدأ عندما ينشأ لدي – تقول كريستيفا – الوعي باختلافي، وينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا وندرك أننا غرباء متمردون على الروابط والجماعات، كما انتقدت كريستيفا الدلالة الحقوقية المعاصرة للغريب التي تطلق على من لا يتمتع بمواطنة البلد الذي يقطنه، لأنها تسكت عن وضعية المختلف التي يتخذها الإنسان داخل جماعة بشرية تنغلق على نفسها مقصية المخالفين لها.

ج-استنتاجات عامة

هناك فرق بين الآخر والغير، فإذا كان الآخر هو ذلك الكائن المادي الذي يتميز بوجود واقعي إلى جانب أو في مقابل الذات، فإن الغير مفهوم فلسفي نظري يتضمن الخصائص المجردة للآخر.

إن مفهوم الغير مفهوم يتضمن معرفة متناقضة حول الآخر، فتارة يحدده كأنا آخر باعتباره متطابقا مع الذات، وطورا يحدده باعتباره لا – أنا مركزا على مظاهر التناقض مع الذات.

إن العلاقة مع الغير في الحقيقة هي علاقة بصيغة الجمع، تتميز بالتعدد والتنوع. تبدأ بعلاقة الحب والاحترام والصداقة، مرورا بعلاقة الغرابة والقرابة …، وتنتهي مع علاقة الصراع والتنافس والعداوة.

4-التاريخ

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا شعب الآداب والعلوم الإنسانية

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع المحور الأول مفهوم  التاريخ

6- الأستاذ محمد بضاض

تقدیم

یقول عبد الله العروي: « قد یتساءل المؤرخ عن صناعته فیعني بالتاریخ تحقیق وسرد ما جرى فعلا في الماضي، ویتساءل الفیلسوف عن هدف الأحداث فیعني بالتاریخ مجموع القوانین التي تشیر إلى مقصد خفي یتحقق تدریجیا أو جدلیا، ویتساءل الفیلسوف أیضا عن ماهیة الإنسان، عما یمیزه عن سائر الكائنات، فیقول إنه التاریخ ».

نلاحظ أن التاریخ هو مجال اهتمام كل من المؤرخ والفیلسوف، فالأول یحقق الوثائق التاریخیة من أجل معرفة ما جرى في الماضي، أما الثاني فهو یعود إلى الأحداث التاریخیة من أجل الكشف عن منطقها ومعرفة القوانین المتحكمة فیها، وتحدید الغایة التي تسعى إلیها. یربط الفیلسوف بین التاریخ وماهیة الإنسان ویعتبر أن الإنسان كائن تاریخی، فإذا كانت الحیوانات غیر العاقلة تعیش أنماط عیش ثابتة تتحكم فیها قوانین غریزیة في الحاضر، فإن الإنسان على العكس من ذلك یطور أنماط عیشه ویستفید من خبرات الماضي، لأن له ذاكرة.

إذا كان المؤرخ یرید «سرد ما جرى فعلا في الماضي»، فهل بإمكانه ذلك ؟ هل یمكن للمؤرخ أن یقدم لنا أحداث الماضي بدقة وموضوعیة أم أن دراسة الماضي التاریخي تتم انطلاقا من ذاتیة المؤرخ وهواجسه في الحاضر ؟

إذا كان الفیلسوف یهتم بالكشف عن القوانین التي تحكم الأحداث التاریخیة وكذا الغایات التي تسعى نحوها، فهذا یدفعنا إلى التساؤل: هل هناك منطق تخضع له الأحداث التاریخیة ؟ هل هناك غایة نهائیة للصیرورة التاریخیة ؟ وهل التاریخ یتقدم بشكل حتمي وتراكمي ومتصل أم أن هناك قفزات وطفرات وصدف وأحداث عرضیة في التاریخ ؟

وحینما نقول إن الإنسان كائن تاریخي، یتبادر إلى ذهننا أن الإنسان هو الذي یحدث الأفعال التاریخیة. لكن ما حقیقة أن الإنسان هو محدث الأحداث التاریخیة ؟ هل هو الذي یصنع الأحداث التاریخیة أم أن هناك عوامل موضوعیة هي التي تتحكم في الصیرورة التاریخیة ؟

  1. المحور الأول: المعرفة التاریخیة
  2. طرح الإشكال

یقول ریمون آرون: « سیكون الموضوع في … إن الماضي حاضر على شكل آثار ما زلنا إلى حد الآن نراه ونفهم معناه، لكنها أحداث لا توجد الیوم ولا یمكنها. إن هذه الحالة مركبا من أحداث الوعي التي كانت موجودة آنذاك توجد أبدا. فما نرید معرفته لم یعد له وجود … إن موضوع التاریخ واقع لم یعد له وجود، وهذا الواقع هو واقع إنساني. فتصرفات المحاربین كانت ذات دلالة، والحرب لیست واقعة مادیة ».

إن دراسة التاریخ إذن لا تتعلق فقط بدراسة الأحداث والآثار المادیة، بل بدراسة أحداث الوعي أیضا، أي الدلالات والأفكار التي كان یحملها الفاعلون التاریخیون. وهذا ما یجعل دراسة التاریخ دراسة معقدة وصعبة، لأنها تتعلق بالظاهرة الإنسانیة في بعدها التاریخي. ثم إن موضوع هذه الدراسة هو موضوع لم یعد له وجود في الحاضر، هناك فقط آثار ووثائق تدل علیه، فهل یمكن إذن معرفة الماضي التاریخي انطلاقا من الوثائق والآثار المادیة ؟ وهل یمكن للمؤرخ أن یتناول المعرفة التاریخیة بشكل موضوعي أم أن ذاتیته تحضر أثناء هذه الدراسة ؟ ولماذا نرید معرفة الماضي ؟ هل من أجل معرفته كماضي أم من أجل الاستفادة منه في الحاضر ؟ كیف إذن یمكن معرفة التاریخ ؟ بأیة وسائل ومناهج ؟

أطروحة ابن خلدون: المنهج النقدي في دراسة التاریخ

یمیز ابن خلدون بین ظاهر التاریخ وباطنه، ویعتبر أن التاریخ في ظاهره هو مجرد سرد وحكي وإخبار عن وقائع حدثت أو یعتقد أنها قد حدثت في الماضي. أما باطن التاریخ فهو الكشف عن أسباب حدوث تلك الوقائع بعد أن تخضع للتمحیص والتحقیق والنقد العقلي. ویرى ابن خلدون أن هناك غایة أساسیة من دراسة التاریخ، هي تلك التي تتمثل في أخذ العبرة الأخلاقیة والفائدة السیاسیة من الأحداث والأحوال التي عاشتها الأمم السابقة. ولهذا فالهدف من دراسة التاریخ هو الاستفادة منه في الحاضر، ولتحقیق هذا المراد یدعو ابن خلدون إلى ضرورة أخذ الحیطة والحذر مما یروى عن الماضي من أحداث، إذ الكثیر منها قد یكون وهمیا وخاطئا. ولن یكون هذا الحذر ممكنا إلا بإخضاع الأخبار المنقولة إلى أصول وقواعد مستمدة مما درج على تداوله في مجال السیاسة ومما یمیز طبیعة الاجتماع البشري.

هكذا یوجه ابن خلدون نقده إلى مجموعة من المؤرخین الذین كانوا لا یتحرون الدقة في نقل الأحداث، مما یجعلهم یقعون الأوهام والمنزلقات ویقدمون أخبارا لا تاریخیة ولا واقعیة، هي من قبیل الحكایات الخیالیة المبالغ فیها. من هنا وجب حسب ابن خلدون تأسیس المعرفة التاریخیة على منهج نقدي یعتمد على تحقیق الأخبار وإخضاعها إلى قواعد ومبادئ واقعیة، مستمدة من أصول العادة وقواعد السیاسة وطبیعة العمران البشري، ویعتمد فیها على قیاس الغائب على الشاهد وسبرها بمعیار الحكمة والعقل.

  • ولكن السؤال الذي یطرح نفسه هنا هو: هل یكفي المنهج النقدي من تحقیق معرفة دقیقة وموضوعیة بالماضي التاریخي ؟ ألا تتطلب المعرفة التاریخیة نوعا من الذاتیة والتعاطف لسبر أعماق الوقائع وفهم أحداث الوعي ولیس فقط الأحداث الماضیة ؟
  • أطروحة هنري مارو: أهمیة منهج التعاطف في بناء المعرفة التاریخیة

إذا كان المنهج النقدي یوفر الشروط الموضوعیة للمعرفة التاریخیة، فإن هنري مارو یرى بأنه یلزم أیضا إضافة ما سماه بالشروط الذاتیة لفهم الماضي بشكل أفضل. هكذا یكون على المؤرخ أن یمارس نوعا من التعاطف، ویربط نوعا من الصداقة مع الموضوع التاریخي الذي یدرسه حتى یتمكن من النفوذ إلى أحداث الوعي، أي تلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت الفاعلین التاریخیین وهم ینجزون أحداثهم.

هكذا یرى هنري مارو أنه یمكن إحداث نوع من التضافر والتكامل بین المنهج النقدي ومنهج التعاطف في بناء معرفة حقیقیة بالوقائع التاریخیة. غیر أن هذا الجمع بینهما لیس بالأمر السهل، ولذلك یجب تجنب التقصیر والإجحاف الذي قد یطال المعرفة التاریخیة من جراء تطبیق المنهج النقدي الصارم، كما یجب تجنب الغفلة والتواطئ الذي قد یأتي للمعرفة التاریخیة من منهج الذاتیة والتعاطف. ولذلك یبدو أن الرهان هو تحقیق نوع من الذاتیة الموضوعیة التي تناسب طبیعة المعرفة التاریخیة، وهي ذاتیة لا یمكن أن تتحقق إلا بالمزاوجة بین المنهج النقدي ومنهج التعاطف.

  • المحور الثاني: التاریخ وفكرة التقدم
  • طرح الإشكال

إن المتأمل في التاریخ یلاحظ ولا شك التقدم الذي حققه الإنسان في شتى المجالات والمیادین، لكن ما یمكن التساؤل حوله هنا هو: هل یتم التقدم بنفس الدرجة والمستوى في كل المجالات ؟ فهل تقدم الغرب مثلا في العلوم یوازیه تقدم في الأخلاق ؟ ثم ما الذي یتحكم في سیرورة الأحداث التاریخیة ؟ هل تخضع لمنطق ما ؟ هل یمكن تعقل السیرورة التاریخیة ؟ وهل یسیر التاریخ بشكل متصل ومتراكم أم على شكل طفرات وقطائع وقفزات ؟ وهل له غایة نهائیة یسعى إلیها؟

  • التاریخ یتقدم بشكل حتمي ومتصل نحو غایة نهائیة

یعتبر هیجل من الفلاسفة الذین یعبرون في فلسفتهم عن فكرة التقدم كما أفرزتها العقلانیة الأنواریة، التي آمنت بقدرة العقل البشري على تحقیق الأفضل والتحكم في الظواهر الطبیعیة والتاریخیة.

هكذا فالتاریخ الحقیقي وفق الفلسفة الهیجیلیة هو ذلك التاریخ الذي یهیمن على الوقائع ویصوغها ضمن منطقها الداخلي، من خلال تفاعل الشخصیات التاریخیة نفسها مع المقصد الخفي الذي یبلوره المنطق الباطني للتاریخ، حیث یقوم التاریخ وفقا لهذه الفلسفة بتفسیر الوقائع واستخراج القوانین والتنبؤات لما سیحدث. فالعقل كما یراه هیجل هو جوهر التاریخ، ومن ثم فهذا العقل هو الذي یتحكم في أحداث العالم عن طریق التاریخ نفسه، وبالتالي فكل حدث من أحداث التاریخ إنما جرى وفقا لمقتضیات العقل الذي یموضع الأحداث العالمیة لتخدم قصدا معینا أو هدفا محددا، وذلك من تحت مظلة التاریخ.

إن فلسفة التاریخ الهیجیلیة تعتبر العقل نفسه هو من یسیر التاریخ، بحیث یرتب أحداثه على نحو یجعلها سائرة نحو هدف أو غایة بعیدة المدى. على هذا النحو، فالتاریخ لدى هیجل هو عبارة عن منظومة تطور ونمو خاضعة لمنطق باطني كامن في الشخصیات التاریخیة التي لم تكن وفق هذه الفلسفة إلا أدوات لتحقیق هدف التاریخ السائر بشكل حتمي نحو تحقیق غایة نهائیة تتمثل في تجسید حریة العقل المطلقة.

  • لا یتقدم التاریخ بشكل متصل ولیس له غایة نهائیة
  • أطروحة إدوارد كار

ینتقد المؤرخ البریطاني المعاصر إدوارد هالیت كار فكرة التقدم التي عبر عنها فلاسفة أمثال هیجل وماركس، حیث رفض إمكانیة الحدیث عن نهایة أو غایة معینة تسعى نحوها الأحداث التاریخیة، واعتبر أن هذا النوع من التصور هو شبیه بالفكر اللاهوتي الذي یفترض بدایة ونهایة للتاریخ. كما ینتقد هذا المؤرخ فكرة التقدم الذي یسیر بشكل متصل ومتراكم، ویرى على العكس من ذلك أن السیرورة التاریخیة غالبا ما تعرف انقطاعات وانحرافات وتوقفات، كما أن درجة التقدم لیست واحدة في جمیع القطاعات والمجالات بل هناك اختلافات وتفاوتات فیما بینها على هذا المستوى بالذات. ولذلك فبذل الحدیث مع هیجل عن معقولیة كلیة للتاریخ، یمكن الحدیث عن عدة تواریخ ممكنة لكل منها منطق خاص یتناسب مع خصوصیتها الداخلیة من جهة ومع طبیعة المجتمعات التي تحدث داخلها من جهة أخرى.

  1. أطروحة كلود لیفي ستراوس
  2. لا یرفض كلود لیفي ستراوس فكرة التقدم في حد ذاتها بل إنه یثمن ما حققته الإنسانیة من إنجازات باهرة في جمیع المجالات، لكنه ینتقد فكرة أن التقدم یسیر بشكل منظم ومتصل، ویقول على العكس من ذلك إن هذا التقدم یتم على شكل قفزات وطفرات ویتحرك في اتجاهات مختلفة. فلیس هناك إذن انتظام وتساوي من حیث درجات التقدم في كل المجالات، فیمكن لدرجة التقدم أن تكون أعلى في المجال العلمي عنها في المجال الأخلاقي أو السیاسي ، كما أن التقدم الحاصل في الدول الغربیة لیس هو نفسه الموجود في باقي الدول الإفریقیة أو الآسیویة.

بالإضافة إلى هذا فزوایا النظر إلى مفهوم التقدم نفسه تختلف وتتعدد، وهذا یعني أن ما تراه جهة ما أو مجتمع ما على أنه تقدم انطلاقا من مرجعیتها الثقافیة والاجتماعیة قد یكون بالنسبة لجهة أخرى انتكاسا وتخلفا، فمن الصعب وجود معاییر كونیة نقیس من خلالها درجة التقدم لاسیما حینما یتعلق الأمر بالعلوم والمجالات التي تطغى فیها أحكام القیمة وتتغلب فیها المنظورات الذاتیة.

  1. المحور الثالث: دور الإنسان في التاریخ
  2. طرح الإشكال

إذا افترضنا أن الإنسان لم یوجد على وجه الأرض، هل كان من الممكن أن تظهر الأحداث والإنجازات التي عرفها التاریخ الإنساني ؟ بالطبع أن الجواب بالنفي. ویترتب عن ذلك أن الإنسان إذن هو الذي صنع التاریخ. لكن ما حقیقة أن الإنسان هو صانع تاریخه ؟ هل كل الناس یصنعون التاریخ أم فئات منهم فقط ؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل یمكن القول إن الفئات الأخرى یصنعها التاریخ أو أنها تخضع لمحددات وعوامل لا دخل لها في صنعها ؟ فما درجة نسبة تدخل الإنسان في تحریك عجلة التاریخ نحو الأمام ؟ وهل وعي الإنسان وإرادته الحرة هي التي تصنع الأحداث التاریخیة أم أن هذه الأخیرة هي نتاج لعوامل موضوعیة تتجاوز الإرادة الإنسانیة نفسها ؟ وهل یمكن الحدیث عن حتمیة تخضع لها الصیرورة التاریخیة أم أن هذه الصیرورة نتاج لحریة الفاعل التاریخي ؟

  1. القول بالحتمیة التاریخیة
  2. أطروحة هیجل: التاریخ یخضع لحتمیة صادرة عن عقل كوني

یرى هیجل أن تاریخ العالم هو مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاتها. هكذا یتمظهر العقل أو الروح الكوني عبر التاریخ متجها نحو تحقیق غایات معینة. ولذلك فالصیرورة التاریخیة تخضع لحتمیة صادرة عن هذه الروح التي تسیطر على جمیع مظاهر الحیاة البشریة. وفي هذا الإطار یرى هیجل أن أبطال التاریخ وعظمائه هم مجرد أدوات تحقق الروح من خلالهم أهدافها الخاصة، فلكل حقبة تاریخیة روحها الخاصة یسمیها هیجل بروح العصر، وهي التي تسیطر على الأفراد وتستعملهم لصالحها الخاص، ومن أجل تحقیق إنجازات حتمیة لا بد أن تظهر في زمانها الخاص ولو ضدا على الإرادات الفردیة.

إن العقل الكوني یسكن داخل الشخصیات التاریخیة ویتواجد داخل لا وعیها، وهو من خلال هذا التواجد یستخدمها لتحقیق غایاته. وما إن ینتهي دور تلك الشخصیات وكفاحها من أجل تحقیق الغایات الكونیة للعقل حتى تختفي من مسرح التاریخ دون أن تحقق سعادتها الخاصة.

  1. أطروحة ماركس: التاریخ یخضع لحتمیة مادیة

لقد استبدل ماركس الحتمیة المثالیة الهیجیلیة بحتمیة مادیة تنتقد الأولى وتقلبها. هكذا رفض ماركس أن یكون هناك عقل كوني أو روح مطلق هو الذي یتحكم في الصیرورة التاریخیة ویوجه أحداثها، ورأى على العكس من ذلك أن الممارسة المادیة المتمثلة في نمط الإنتاج السائد هي التي تتحكم في وعي الناس وتوجه الأحداث التاریخیة.

من هذا المنطلق اعتبر ماركس أن كل أشكال الوعي المختلفة، سواء كانت دینیة أو سیاسیة أو فنیة أو غیرها، هي نتاج لأسالیب العیش المادیة والاجتماعیة التي تتجلى في أنماط من علاقات الإنتاج السائدة بین الطبقات الاجتماعیة. فالصراع الطبقي حول المصالح الاقتصادیة یلعب دورا كبیرا في تحریك عجلة التاریخ، كما أن سیر الأحداث التاریخیة لا یتوقف على وعي الأفراد وإراداتهم الحرة بل إن المحرك الأساسي لها هي العوامل المادیة والاقتصادیة التي تتجاوز الإرادات الخاصة للأفراد وتشرط وعیهم. وما دام الوعي مشروطا بعوامل خارجیة، وما دام أن الوعي هو الذي یفترض أنه یجعل الإنسان صانعا لتاریخه، فإن ما یصنع التاریخ في هذه الحالة لیس هو وعي الأفراد بل عوامل مادیة واجتماعیة تتجاوز حریاتهم.

  1. القول بحریة الإنسان في صنع التاریخ

لقد تعرضت الماركسیة لتأویلات وقراأت مختلفة، من بینها القراءة الخاصة التي قدمها الفیلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر الذي بین أن الفلسفة الماركسیة هي فلسفة تدعو إلى التحرر والانعتاق، ورغبة الطبقة العاملة في السیطرة على وسائل الإنتاج وتوجیه أحداث التاریخ لصالحها.

وقد اعتبر سارتر أنه إذا كان الناس یتحركون ضمن شروط واقعیة سابقة على وجودهم، فإنهم مع ذلك هم الذین یصنعون تاریخهم ولا یمكن اعتبارهم مجرد أدوات فاقدة للوعي. وإذا كانت فئة من الناس في ظرفیة زمنیة معینة لا تصنع التاریخ، فإن فئة أخرى تصنعه. ومن هنا یظل الإنسان هو الفاعل الحقیقي للأحداث التاریخیة، بالرغم من أنه یقع أحیانا ضحیة الاستغلال الناتج عن الهیمنة الاقتصادیة والاجتماعیة.

إن التاریخ حسب سارتر هو نتاج للفاعلیة البشریة التي تحقق من خلاله مشروعها الخاص، لكن هذا التاریخ مع ذلك سیظل غریبا عن الإنسان ما لم یتحرر من الاستغلال والهیمنة ویستفید من كفاحه ومجهوده الذي سیمكنه من صنع التاریخ وتملكه، وإعطائه معنى یتماشى مع طموحاته وغایاته الخاصة.

5-ملخص التصورات لمجزوءة الوضع البشري

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا مسلك العلوم  و الآداب

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع ملخص التصورات لمجزوءة الوضع البشري

6- الأستاذ محمد بضاض

الشخص

الشخص والهوية

  • ديكارت: هوية الشخص تقوم على القدرة على التفكير، والقدرة على التفكير في ذلك التفكير نفسه. واختلاف طريقة التفكير من شخص لآخر.
  • جون لوك: هوية الشخص تقوم على إدراك الإحساس عبر الزمان والمكان، الأمر الذي يستدعي عمل الذاكرة.
  • إيمانويل مونيي: هوية الشخص تكمن في الوحدة والكلية والشمولية التي تطبع  كينونته الداخلية، وهي الكينونة التي تختلف من هذا الشخص الى ذاك.

الشخص بين الضرورة والحرية

  • مونيي: العلوم الإنسانية تركز على تفسير السلوكات الصادرة عن الشخصية  وهي السلوكات الخاضعة للحتمية والضرورة.
  • سارتر: الإنسان مشروع قادر على موضعة نفسه في المستقبل، حيث تتعدد الاختيارات وتكون له الحرية في اختيار واحد منها، وتحمل مسؤولية اختياره.
  • الحبابي: حرية الشخص تكن في قدرته على التحرر من الكائن الى الشخص وبالتالي الى الإنسان.

الشخص بوصفه قيمة

  • كانط: يستمد الشخص قيمته من كونه ذاتا لعقل عملي أخلاقي، يقوم على مفهومي الواجب والفضيلة والكرامة الإنسانية.
  • هيجل: يستمد الشخص قيمته من كونه يمتثل لروح شعبه من خلال قيامه بالواجبات و امتثاله لها.
  • راولس: يستمد الشخص قيمته من كونه مواطنا له القدرة على التأثير و احترام الواجبات، وامتلاك حس العدالة والخير.

الغير

وجود الغير

  • هيدجر: وجود الغير يفرض على الذات الانخراط فيه، وبذلك يصبح غير متين أو ضميرا مبنيا للمجهول أو لا أحد.
  • ميرلوبونتي: من الصعب تحديد وجود الغير لأنه يجمع بين الوجود في ذاته (الجسد) والوجود من أجل ذاته (الوعي) وهذا الأخير هو ما يحول دون تحديد وجوده.
  • سارتر: وجود الغير هو وجود شيء أو موضوع نظرا للعدم أو المسافة الفاصلة بيني وبينه، وهو ما يجعله يشيئني بدوره.

معرفة الغير

  • شلر: معرفة الغير ممكنة إذا ما تناولناه باعتباره كلا لا يمكن الفصل بين مظاهره الخارجية وإحساساته الداخلية.
  • جيل دولوز: يمكن معرفة الغير باعتباره بنية للحقل الإدراكي، وتفسير ما يصدر عنه من سلوكات انطلاقا من تلك البنية الممكنة.
  • مالبرانش: من الصعب معرفة الغير انطلاقا من الاستدلال بالمماثلة، لأن الغير يشبهنا في جوانب،و يختلف في جوانب عنا في أخرى.

العلاقة مع الغير

  • أوغست كونت: ينبغي أن تقوم العلاقة مع الغير على التعاطف والعيش من أجله، كرد للدين الذي قدمته لنا الإنسانية (الغيرية).
  • ميرلوبونتي: من الصعب تحديد وجود الغير لأنه يجمع بين الوجود في ذاته (الجسد) والوجود من أجل ذاته (الوعي) وهذا الأخير هو ما يحول دون تحديد وجوده.
  • جوليا كريستيفا: الغير هو الغريب ، لكن الغريب ليس هو ذلك الدخيل أو البعيد، بل إنه يوجد بيننا ويسكننا على نحو غريب.

التاريخ

المعرفة التاريخية

  • بول ريكور: المعرفة التاريخية لا تتحقق إلا من خلال الآثار والوثائق التي يستنطقها المؤرخ بناء على فرضيات تعطي للوثيقة معنى دالا.
  • ريمون أرون: ينتقد ريكور، ويرى أن قراءة الوثائق والآثار تتم بعين الحاضر، وهو ما يفقدها دلالتها، لكون تلك الدلالة تختلف من زمن لآخر ومن مكان لآخر.
  • هنري مارو: التاريخ هو معرفة بالماضي الإنساني وليس مجرد بحث فيه أو دراسة له، لأن الفرق بين المعرفة وبين البحث والدراسة فرق بين الغايات والوسائل.

التاريخ وفكرة التقدم

  • كارل ماركس: التاريخ يتقدم بفعل التناقض، وهو تناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة في المجتمع ما قبل الإشتراكي.
  • ميرلوبونتي: ينتقد المنطق الماركسي للتاريخ القتئم على الصراع والحتمية، ويرى أنه يقوم على العرضية والانفلات من الحتمية.
  • ابن خلدون: التغيرات التي تعرفها الصيرورة التاريخية راجعة الى مخالفة السلطان لبعض عادات من سبقوه ومحافظته على بعضها، وهو ما يؤدي الى التقدم.

دور الإنسان في التاريخ

  • هيجل: للناس العظماء دور في التاريخ لأنهم يدركون ماهو كوني فيه، ويعملون على تغييره.
  • سارتر: الناس يصنعون تاريخهم ولكن في وضع محدد يشرطهم، الأمرالذي يجعل منهم صانعي تاريخهم وخاضعين له في نفس الوقت.
  • ميكيافيلي: الأحداث التاريخية لا تخضع للقضاء والقدر بشكل كلي لكون الإنسان يتحكم في نصف أفعاله.

6-المواقف الفلسفية لمجزوءة الوضع البشري

1-مادة الفلسفة

2- المستوى الثانية باكالوريا مسلك العلوم  و الآداب

  • دروس الأسدس الأول

4- مجزوءة الوضع البشري

5- الموضوع المواقف الفلسفية لمجزوءة الوضع البشري

6- الأستاذ محمد بضاض

مفهوم الشخص

المحور الأول: الشخص والهوية

كیف یمكن تفسیر ثبات الأنا أي الهویة الشخصیة رغم مختلف التغیرات؟

موقف لاشولیي

المحدد الرئیسي للشخص هو هویته، أي تطابقه مع ذاته وبالتالي تمیزه عن غیره. أما وحدته النفسیة عبر جل مراحل حیاته فهي الضامن لهذه الهویة، لأنهما لیستا نتاجا تلقائیا، بقدر ما أنهما نتاج لآلیات ربط، وهي آلیات نفسیة تقوم بمهمة السهر على وحدة الشخص وتطابقه. أولها وحدة الطبع أو السمة العامة للشخصیة، في مواقفها وردود فعلها تجاه الآخرین. وعلى هذا النحو یرى لاشولیي، أن كل من وحدة الطبع أو السمة العامة للشخصیة، هي ضمان هویتها إلى جانب الذاكرة التي اعتبرها آلیة ضروریة لربط حاضر الشخص بماضیه القریب أو البعید.

موقف دیكارت

یذهب إلى تأكید أهمیة الفكر في بناء الشخصیة وفهم حقیقتها، فالفكر صفة تخص الذات الإنسانیة وهي وحدها لصیقة بها. والتفكیر هو الشرط الضروري للوجود. إذن أساس هویة الشخص هو التفكیر الذي یعتبر مناسبة لحضور الذات أمام نفسها وإدراكها إدراكا مباشرا لكل ما یصدر عنها من أفعال والتي تبقى رغم تعددها واحدة وثابتة.

موقف جون لوك

یعطي تعریفا للشخص باعتباره ذلك الكائن المفكر والعاقل، القادر على التعقل والتأمل حیثما كان وأنى كان ومهما تغیرت الظروف، وذلك عن طریق الشعور الذي یكون لدیه عن أفعاله الخاصة وبشكل مستمر دون حدوث أي تغیر في جوهر الذات، فاقتران الشعور بالفكر على نحو دائم هو ما یكسب الشخص هویته ویجعله یبقى دائما هو هو، باعتباره كائنا عاقلا یتذكر أفعاله وأفكاره التي صدرت عنه في الماضي وهو نفسه الذي یدركها في الحاضر.

المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة

انصب تفكیر الفلاسفة وعلماء الاجتماع على هذا البعد، فمنه من أرجعه لذات الإنسان، ومنهم من أرجعه لعلاقته مع الغیر

موقف كانط

الإنسان كائن عاقل وهو غایة في ذاته، ولیس مجرد وسیلة یستعملها الغیر أو وسیلة یستعملها هو نفسه لتحقیق هدف ما. الإنسان خلافا للأشیاء هو الكائن الوحید الذي له قیمة مطلقة لأنه غایة في ذاته. لهذا السبب یسمى الإنسان شخصا وتسمى الموجودات الأخرى أشیاء. فلا یمكن تقوین الإنسان بسعر كما نفعل بالأشیاء والحیوانات: الإنسان لیس قابلا للبیع. فهو كشخص یعتبر قیمة تتجاوز كل سعر. إنه شخص، غایة في ذاته، له كرامة ویتمتع بالاحترام واحترامه هذا یعني احترام الإنسانیة التي یمثلها.

موقف هیجل

الشخص یكتسب قیمته الأخلاقیة عندما یعي ذاته وحریته وینفتح على الواقع الذي ینتمي إلیه، بالدخول مع الجماعة في علاقة تعاون متبادلة امتثالا للواجب.

موقف غوسدورف

یعرف الشخص انطلاقا من كونه عنصرا مكونا للجماعة وهو ما یعني أن قیمة التضامن بین أفراد الجماعة مكون أساسي لقیمته بحث أن أنانیته ستضر بالغیر وبنفسه أیضا. التضامن والتعایش هو أساس قیمة الشخص وكماله، لأن الانعزالیة والأنانیة والفردانیة تجعل الشخص معادیا لنفسه ولإنسانیته وللغیر. بما أنه شخص ولیس بهیمة فإن وجوده لا یتحقق إلا بمشاركة الآخرین حیاتهم وبالتواجد داخل الجماعة وبقبول الغیر. وخلاصة هذا الموقف أن الشخص لیس هو ما یملك وإنما هو اخذ وعطاء.

المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية

اختلف الفلاسفة في تحدید موقف ووضع الإنسان داخل المجتمع، فمنهم من اعترف بعدم حریته لأن خضوعه للضرورة هو الشكل الوحید للحیاة مع الناس وفي الكون، ومنهم من رأى أن الوعي والاختیار یمكنان الإنسان كشخص من العیش حرا.

موقف سارتر

یمیز سارتر بین الوجود والماهیة. والإنسان هو الكائن الوحید الذي یبق وجوده ماهیته، ولهذا فهو یتجاوز وضعه إلى وضع آخر عبر الإرادة والفعل والشغل…

موقف مونیي

الشخص حر لأنه یقبل الظرف والوضع الذي یتواجد فیه لأن الحریة لا تتحقق إلا في مواجهة العوائق والحواجز، وعن طریق الاختیار بین عدة اختیارات والتضحیة، أي بذل جهد للتغلب على المعیقات الداخلیة والخارجیة. الحریة تتحقق داخل شروط تلزم الشخص بتأثیرها. لیست الحریة هي أن نفعل ما نرید وإنما أن نصارع ظروفا معیقة ونتغلب علیها.

موقف اسبینوزا

یذهب إلى اعتبار أن ما یمیز الشخص عن باقي الكائنات الأخرى، هو سعیه للحفاظ على بقائه واستمراره، وهو سعي یتأسس على الإرادة الحرة. ولیست الحریة هنا بمعنى الجواز، بل إنها تقترن بالفضیلة والكمال، ولیس بالعجز أو الضعف، وفق ما تقتضیه قوانین الطبیعة الإنسانیة من قدرة على استخدام العقل للتمییز بین الخیر والشر، وتفضیل الأول على الثاني.

مفهوم الغیر

كیف نستدل على وجود الغیر باعتباره وجودا خارج الذات، بالرغم من أنه وجود مختلف عن باقي الموضوعات الأخرى التي تشكل العالم الخارجي؟

المحور الأول: وجود الغیر

موقف دیكارت

كان أول فیلسوف حاول إقامة مفارقة بین الأنا الفردیة الواعیة وبین الغیر، حیث أراد دیكارت لنفسه أن یعیش عزلة إبستیمیة، رافضا كل استعانة بالغیر في أثناء عملیة الشك. فرفض الموروث من المعارف، واعتمد على إمكاناته الذاتیة، لأنه یرید أن یصل إلى ذلك الیقین العقلي الذي یتصف بالبداهة والوضوح والتمیز… فوجود الغیر في إدراك الحقیقة لیس وجودا ضروریا، ومن ثمة یمكن أن نقول: إن تجربة الشك التي عاشها دیكارت تمت من خلال إقصاء الغیر… والاعتراف بالغیر لا یأتي إلا من خلال قوة الحكم العقلي حیث یكون وجود الغیر وجودا استدلالیا.

موقف هیجل

تجاوز هذا الشعور السلبي بوجود الغیر، لأنه رأى أن الذات حینما تنغمس في الحیاة لا یكون وعیها وعیا للذات، وإنما نظرة إلى الذات باعتبارها عضویة. فوعي الذات لنفسها – في اعتقاد هیجل – یكون من خلال اعتراف الغیر بها. وهذه عملیة مزدوجة یقوم بها الغیر كما تقوم بها الذات. واعتراف أحد الطرفین بالآخر لابد أن ینتزع. هكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغیر، وتستمر العلاقة بینهما في إطار جدلیة العبد والسید. هكذا یكون وجود الغیر بالنسبة إلى الذات وجودا ضروریا.

موقف سارتر

یرى الغیر ما هو إلا أنا آخر، أي كأنا مماثل لأناي، إلا أنه مستقل عنه، لكن وجود الغیر هو كذلك نفي لأناي، من حیث هو مركز للعالم. ویترتب على وجود الغیر هذا نتائج هامة وحاسمة لا على مستوى أناي فحسب، بل على مستوى علاقتي مع العالم الخارجي.

إن ما سبق یظهر التناقض الحاصل بین التمثلین الدیكارتي والهیجلي، ففي الوقت الذي یقصي فیه دیكارت وجود الغیر، یعتبره هیجل وجودا ضروریا. وهذا یتولد عنه السؤال التالي:  هل معرفة الغیر ممكنة ؟ وكیف تتم معرفته؟

المحور الثاني: معرفة الغیر

إن معرفة الغیر تمثل علاقة “إبستیمیة ” بین طرفین، أحدهما یمثل الأنا العارفة والآخر یمثل موضوع المعرفة. الشيء الذي یدفعنا إلى طرح التساؤل التالي: هل نعرف الغیر بوصفه ذاتا أم موضوعا ؟ بمعنى آخر، هل معرفة الغیر ممكنة أم مستحیلة؟

موقف سارتر

یطرح العلاقة المعرفیة بین الأنا والغیر في إطار فینومینولوجي (ظاهراتي)، فالغیر في اعتقاده هو “ذلك الذي لیس هو أنا، ولست أنا هو”. وفي حالة وجود علاقة عدمیة بین الأنا والغیر، فإنه لا یمكنه “أن یؤثر في كینونتي بكینونته”، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الغیر غیر ممكنة. لكن بمجرد الدخول في علاقة معرفیة مع الغیر معناه تحویله إلى موضوع (أي تشییئه):  أي أننا ننظر إلیه كشيء خارج عن دواتنا ونسلب منه جمیع معاني الوعي والحریة والإرادة والمسؤولیة. وهذه العلاقة متبادلة بین الأنا والغیر: فحین أدخل في مجال إدراك الآخر، فإن نظرته إلي تقیدني وتحد من حریتي وتلقائیتي، لأنني أنظر إلى نفسي نظرة الآخر إلي. إن نظرة الغیر إلي تشیئني، كما تشیئه نظرتي إلیه. هكذا تبدو كینونة الغیر متعالیة عن مجال إدراكنا ما دامت معرفتنا للغیر معرفة انطباعیة حسیة.

موقف میرلوبونتي

له موقف آخر إذ یرى أن “نظرة الغیر لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع ” ؛ إلا في حالة واحدة وهي أن ینغلق كل واحد في ذاته وتأملاته الفردیة. مع العلم أن هذا الحاجز یمكن تكسیره بالتواصل، فبمجرد أن تدخل الذات في التواصل مع الغیر حتى تكف ذات الغیر عن التعالي عن الأنا، ویزول بذلك العائق الذي یعطي للغیر صورة عالم یستعصي بلوغه.

المحور الثالث: العلاقة مع الغیر

هل العلاقة مع الغیر هي علاقة تكامل أم تنافر

موقف كانط

یرى أن علاقة الصداقة هي أسمى وأنبل العلاقات الإنسانیة لأنها قائمة على الاحترام المتبادل. وأساسها الإرادة الأخلاقیة الخیرة. فالصداقة باعتبارها واجبا أخلاقیا، تشترط وجود المساواة وعلاقة التكافؤ، وهي أیضا نقطة تماس بین الحب والاحترام. وهذا ما یمنح الإنسان توازنه وعدم الإفراط سواء في الاحترام أو الحب.

موقف أفلاطـون

یعتبر أن علاقة الصداقة تنبثق من الحالة الوجودیة الوسط التي تطبع وجود الإنسان، وهي حالة وسط بین الكمال المطلق والنقص المطلق تدفع الإنسان إلى البحث الدائم عما یكمله في علاقته مع الآخرین… فالكمال الأقصى یجعل الإنسان في حالة اكتفاء ذاتي لا یحتاج فیها إلى الغیر، وفي حالة النقص المطلق تنعدم لدیه الرغبة في طلب الكمال والخیر. من هنا تقوم الصداقة كعلاقة محبة متبادلة یبحث فیها الأنا عما یكمله في الغیر، یتصف فیها كل طرف بقدر كاف من الخیر أو الكمال یدفعه إلى طلب كمال أسمى، وبقدر من النقص الذي لا یحول دون طلب الكمال.

مفهوم التاریخ

أین یتجلى الاختلاف بین المؤرخ و الفیلسوف في التعاطي مع المعرفة التاریخیة ؟ وكیف تبنى تلك المعرفة ؟ وهل التاریخ ثابت ومستقر أم تحكه دینامیة التقدم ؟ وهل للإنسان دور في التاریخ ؟ هل یمكن أن نعتبره صانعا للتاریخ ؟

المحور الأول: المعرفة التاریخیة

إن التطرق لموضوع المعرفة التاریخیة یثیر إشكالا منهجیا یتعلق بالماضي الذي انقضى وولى والتعامل معه في الوقت ذاته كموضوع للمعرفة، و من ثمة فكیف یمكن الحكم على المعرفة التاریخیة ؟

موقف ریمون أرون

یؤكد على أن المعرفة التاریخیة هي معرفة نسبیة. لأنها لا یمكن أن تدرك الماضي بصفة نهائیة مادام أنه لا وجود لماض خالص، فكل ماضي هو ماض مستحضر ومعرفته لا تتأتى إلا عبر البحث والتنقیب والتحقیق. كما أن المعرفة التلقائیة التي نعرفها بطریقة مباشرة هي سمة أساسیة لواقعنا الذي نعیش فیه، بحكم أننا نفهم جمیع دلالاته. في حین أن المجتمعات التي عاشت قبلنا لا یتسنى لنا أن نعرف دلالاتها دون توسط منهج المؤرخ، وبذلك تنعدم شروط المعرفة التلقائیة بها. بالإضافة إلى كون تجربتنا في الماضي لایمكن أن تكون هي تجربتنا في الحاضر. وانطلاقا من ذلك فالمعرفة هي إعادة بناء لما كان موجودا ولم یعد وهي عملیة تخص زمانا ومكانا محددین.

موقف ماكس فیبر

ینطلق من نقطة أساسیة تعتبر كمدخل من أجل التعاطي مع المعرفة التاریخیة كمؤشر لتصور مستقبل الإنسانیة. فالواقع الإمبریقي (التجریبي) یتمیز باللامحدودیة بحكم كثافته ولا نهائیته، فلذلك لا یمكن لأیة عدة منهجیة أن تشمل ذلك الواقع في كلیته. إن المؤرخ لا یمكن أن یتأتى له معرفة الماضي بصفة نهائیة، ذلك أن الأسباب التي یعتمدها لتفسیر الواقعة التاریخیة ستبقى منتقاة انطلاقا من علاقة المؤرخ بالقیم. كما أن السببیة التاریخیة بالنسبة لماكس فیبر هي سببیة تحلیلیة، متفردة وجزئیة احتمالیة، ویبقى العمل المنهجي للمؤرخ محددا لهذه المعرفة

المحور الثاني: التاریخ وفكرة التقدم

للتاریخ منطق. لكن هل یحكمه التقدم ؟ أم التكرار؟ أم الضرورة ؟ أم الصدفة ؟

موقف ابن خلدون

التاریخ لا یعرف التقدم وإنما هو دوري، تكراري، وفق نفس المراحل، وهذا ما تثبته نظریة العصبیة القائمة على الدم والقبیلة: فالبدایة هب الفتوة أو النشأة ثم القوة واكتساب السیادة وبعد الغنى والترف تحل الشیخوخة ثم الاندثار، لتبدأ في مكان آخر آثار عصبیة جدیدة وهذا ما یشهد علیه تاریخ إفریقیا الشمالیة (ألا یبدو هذا التوصیف مشابها لحیاة كائن طبیعي). هل یتعلق الأمر بإسقاط الطبیعة على المجتمع البشري، أم أن الأمر أعمق من ذلك ؟

موقف هیجل

ما یحكم تطور التاریخ هو الجدل القائم على النفي ونفي النفي، حیث یتجاوز الحدث اللاحق الحدث السابق وذلك في أفق تحقیق غایة قصوى هي وعي الروح المطلق لذاته عبر تحققه في التاریخ موضوعیا: فالتقدم صیرورة عقلیة وخاصیة للعقل المطلق أو الوعي، وهي أیضا خاصیة للتاریخ الكوني كمسرح یتمظهر فیه تجسم الروح المطلق ووعیه بذاته. أما الاختلال الطارئ المتمثل في الحروب والتوقفات الظاهریة للتطور فلیست إلا استثناأت جزئیة ضروریة للصیرورة العامة. وتخفي التقدم الحاصل فعلا

موقف ریمون آرون

فكرة التقدم متحیزة للغرب كمركز لأنها من إنتاجه وخصوصا في ارتباطها بعصر الأنوار الذي بني على التقدم كأساس للتطور في جمیع المجالات، ولا شك أن النموذج الأساسي هو العلوم. لكن هل یمكن تعمیم هذا النموذج على المجتمعات والفنون وجمیع أشكال الحیاة الأخرى؟

موقف كلود ليفي ستروس

فكرة التقدم تقود لنزعة التمركز حول الذات الأوروبیة، أي أن نموذج التقدم هو الغرب ونموذج التخلف هو ما عداه، وهذا یعني أن فكرة التقدم سوف تفرض خطاطة تاریخیة واحدة، وتذیب جمیع الاختلافات بین الشعوب والأمم والحضارات والمجتمعات، ويعاني فكر التقدم من خلل آخر ومن ضعف كبیر ألا وهو أنها تحتاج لغایة تشكل نهایة للتقدم (في الماركسیة هي الشیوعیة، وعند هیجل هي معرفة الروح المطلق لذاته، وعند فوكویاما هي نهایة التاریخ المتمثلة في انهیار الاشتراكیة). إن فكرة التقدم تقتضي فكرة الخلاص والتي هي فكرة دینیة بل میثولوجیة.

المحور الثالث: دور الإنسان في التاریخ

موقف هیجل

القوة المحركة للتاریخ كسیرورات متلاحقة هي الروح المطلق الذي یحقق وعیا بذاته ویجسد ذلك موضوعيا في التاریخ الكوني، متخذا الشعوب والمجتمعات والفنون والدیانات كوسائل… إذن لا أهمیة للأفراد على الإطلاق إلا باعتبارهم منفذین وأدوات یستعملها الوعي المطلق.

موقف سارتر

الإنسان حریة تتجسد في اختیاره بین اختیارات ممكنة وذلك لأن وجوده سابق على ماهیته التي لا تدرك كشيء منته أو ماهوي وإنما كسیرورة وكمشروع دائم، لا یمكن تصور الإنسان الذي هو وجود لذاته ومن أجل ذاته، أي یعي ذاته ویعي الضرورات المحدقة به لا یمكن تصوره إلا متخذا مواقف عبر تحمل مسؤولیة الاختیار حتى وإن كنت النتیجة قاسیة ألا وهي القلق الدائم مادام هو وحده المسئول عن اختیاراته.